وفاة منظمة التحرير

وفاة منظمة التحرير

15 مايو 2021
الصورة
+ الخط -

يحقّ للشعب الفلسطيني الزهو بمنجزه الباهر، منظمة التحرير الفلسطينية، بصيغتها الائتلافية التي نزعت عنها صيغتَها الأولى مُنجزا للنظام العربي الرسمي. هيّأت نخبةٌ سياسيةٌ ومقاتلةٌ ومثقفةٌ أدبيات المنظمة، باعتبارها الجامع الفلسطيني الذي يتّسع لمختلف الحساسيات والخيارات الوطنية من أجل تحرير فلسطين المحتلة في 1948 وعودة اللاجئين، والعنوانَ السياسيّ للشعب الواحد في الوطن والشتات. كانت تنظيرات خالد الحسن (وآخرين) المبكّرة وأفكار القوميين العرب، نهايات الخمسينيات ومطالع الستينيات، الغلاف السياسي للرصاصة الأولى للثورة الفلسطينية، ولعمليات الفدائيين المبّشرة في 1965 وبُعيْدها. وفي تلك الغضون، أُعلِنت منظمة التحرير لتكون أشبه بهيئةٍ رسميةٍ، أرادها جمال عبد الناصر والسعوديون (خصوصا) ممثلا للفلسطينيين، ولو بعض الشيء. حتى إذا وقع الاحتلال الثاني لفلسطين، والهزيمة العربية الموصوفة في 1967، حقّ للفدائيين الذين حملوا السلاح لتحرير "الوطن السليب" (التعبير الذائع حينها) أن يكونوا قيادة المنظمة. وحقّ لتشكيلاتٍ صاغت رؤاها الكفاحية، ومنظوراتها السياسية، بتوليفاتٍ تنوّعت بين محض وطنية فلسطينية، وثانيةٍ ملوّنة بأولوياتٍ قوميةٍ، وثالثةٍ راياتُها يسارية، ماركسية، وفي الوسع إضافة أخرياتٍ، حقّ لها أن تصير مكونات المنظمة. وذلك لمّا فرضت الحقائق المستجدّة، وأولها حقيقة البندقية في يد الفدائي الملثم، انسحاب أحمد الشقيري من الزعامة والقيادة، بتقدير مستحقّ لأدائه (ولخطابيته)، وتحوّل الميثاق القومي الفلسطيني ميثاقا وطنيا فلسطينيا، ثم تصدّر ياسر عرفات (بكوفيته) ورفاقه الزعامة والقيادة اللتيْن عَبرتا بالكفاحية الفلسطينية إلى أطوارٍ ومنعطفاتٍ أردنية ثم لبنانيةٍ ثم تونسية شرحها يطول، غير أن الجوهري، في أزيد من ثلاثة عقود لها، أن منظمة التحرير حافظت على أهليّتها، ائتلافا وطنيا وسياسيا ونضاليا، وظلّت قيادتها عصيةً على التجاوز، سواء حاولت هذا أميركا أو إسرائيل، أو حاوله حافظ الأسد أو من صنّعوا صبري البنّا، أو من أضحكوا الناس عليهم لمّا ابتدعوا عطالله عطالله (أبو الزعيم). وفي غضون الانتفاضة الأولى، إبّان قيادةٍ موحدةٍ لها، كانت منظمة التحرير الحامل السياسي والإسناد العملياتي لها. وحتى بعد اتفاقيات أوسلو، برهاناتها وارتهاناتها، لم تختلّ مكانة المنظمة، وإن صارت للسلطة الوطنية التي قامت في بعض الوطن أولويةٌ تتقدّم عليها، غير أنه حوفظ عليها مظلةً للسلطة، وعلى لجنتها التنفيذية جهةً وحيدة للقرار الفلسطيني.

جيء على الأرشيف أعلاه، الشديد الاقتضاب، لأمرين. أولهما أن تجربة منظمة التحرير، بالمضيء الكثير فيها، وبالتعيس غير المنسي أيضا، وبالعطاء الذي أدّاه فدائيوها وقادة فصائلها، يجب أن تُحمى من النسيان، وأن تحضُر في مناهج التدريس الفلسطينية (والعربية، لم لا؟)، بل وأن يفتخر شعب فلسطين بها، وبمحطّاتٍ باهظة المكانة في تاريخ هذا الشعب. خطاب ياسر عرفات في الأمم المتحدة في 1974، الصمود والقتال في اجتياح بيروت 1982، مثلان. ثانيهما، إعلان وفاة هذه المنظمة، من دون حرجٍ أو تصنّع شعور باستفظاع أمرٍ كهذا، لإلغائه مُسمّى الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني. والقول هنا إن هذه الوفاة ما صارت إلا بعد أمراضٍ تتابعت، وإن مع نوبات شفاء في الأثناء، وبعد غيبوباتٍ بلا عدد، وعوارض احتضار غير مرّة. ولكن ما توالى، وظلّ يتوالى أخيرا، أخذ المنظمة إلى هزيعها الماثل قدّام الجميع، والذي يتأكد فيه أن شعب فلسطين صار يحتاج فعلا إلى ممثلٍ شرعيٍّ ووحيدٍ له، لا غضاضةَ إن تسمّى منظمة التحرير، مرّة أخرى، لكنه لن يكون البدن الشائخ المسجّى، في موتٍ غير سريري، بالاسم نفسه.

يحدُث في الملعب الفلسطيني الراهن أن الشعب، في كل وطنه المحتل مرّتين في 1967 و1948، والمقاومين صنّاع معجزاتٍ أخّاذة، ممن ينتسبون إلى مجاميع تؤول إلى حركة حماس وغيرها، عندما يضربون في العدو ما تيسّر لهم أن يضربوا، بصواريخ أنّى لك أن تعرف كيف صنعوها وكيف نجحوا في تخزينها وحمايتها، وإسرائيل التي تتوّهم أن قوتها العارية واعتداءاتها اليومية ستكسران إرادة شعب فلسطين، ثلاثتهم عناصر المشهد الشديد الوضوح قدّامنا، ولا أحد غيرهم ألبتّة، وإنْ يلقى محمود عباس من يُهاتفه، وإن يتغنّى الفتحاويون بماضٍ غودر وانصرف. يفاجئنا شجعان فلسطين المرابطون في القدس واللد وغزة و...، وكذا البواسل الذين يُقلقون المحتلّ ويجعلونه يرتعش، ويذكّرونا بزمنٍ كان فيه فدائيون، باقون في الوجدان، يصنعون من جزماتهم أفقا، وكانت فيه منظمة التحرير الفلسطينية تنهضُ بهذا الأفق، قبل أن يقضي الله أمرا كان مفعولا.