وسيرضى عنكم اليهود

وسيرضى عنكم اليهود

16 أكتوبر 2021
الصورة

(جميل ملاعب)

+ الخط -

ليكن إليعازر أو كوهين أو شارون، لا تعنيني المسميات. كل ما أنشده الظفر بصديق يحمل الجواز الإسرائيلي الذي لم أكتشف مبلغ "قداسته" إلا أخيرًا، أعني عندما سمحت الإمارات لحامل هذا الجواز بدخول أراضيها بلا تأشيرة، في حين عليّ، أنا العربي، أن أظلّ مدى الدهر خجلًا بجوازي، متحرّجًا على أبواب المطارات، أتسلّل كاللص إلى الطائرات، كمن يخوض مغامرته الأخيرة، وعليه أن يحجز تذكرة الإياب قبل الذهاب، لأنه على الأغلب سيعود على الطائرة نفسها؛ عندما توصد أبواب الاستقبال دونه، فيدخل من باب "الخروج" مباشرةً إلى الطائرة التي لم تطفئ محركاتها بعد.

الآن تتعاكس المصائر، وتتشتّت الطرق، والآن يتعيّن عليّ أن أبحث عن صديق هو أزيد من صديق، يدعى كوهين أو شارون، لا فرق، فهو "العربي" الجديد المرحّب به في بلاد ظننّاها أقرب من حبل الوريد، فكانت حبلًا، فعلًا، لكن حول الوريد.

أريد من كوهين أن يتعطّف بمنحي جنسية "بلاده" لأدخل إلى "بلادي"، أن يمنحني قلنسوته ليعرفني موظف الجوازات، بعد أن جهلني بالكوفية والعقال، وأن يهبني جواز سفر بالعبرية، كي يستطيعوا قراءتي بـ"العربية".

سأقول له: خبئني في حقيبةٍ غير قابلة للتفتيش، أنا الذي لم يبقوا عليّ جلدًا أو عظمًا من شدّة التفتيش، وعندما أعجزتهم الحيل عن العثور على دليل إدانة واحدٍ ضدّي، اتهموني بأني غير قابل للذوبان في منظومة "العهد الجديد" الذي يحتاج كائناتٍ مهيأة للتفريط حتى حرف الياء الأخير من الأحرف "الهجائية".

سأقول لكوهين أو شارون، سيّان، كنتم على "حقّ" وكنا على "باطل"، فأنتم المحتلّ الوحيد في العالم الذي يرحّب به ضحاياه، ويعتبرون احتلاله "شرفًا" يوجب الاحتفاء والاحتفال، وتفتح من أجله العواصم، لا ليزورها بل ليحتلها بالصفقات والأحلاف والمعابد، وأنتم المحتلّ الذي ينبغي الاعتذار منه عن دم الضحايا الذي لوّث ثيابه، وعن الشعب الذي لم يُلق البندقية بعد في فلسطين، وأنتم المحتلّ الوحيد الذي "احتلّ فأمن فنام"، بفضل عربٍ يُسدلون عليه الغطاء، ويصفحون عن جرائمه ما تقدم منها وما تأخر.

سأقول لهم إن رضاكم هو وساطتنا الوحيدة بعد اليوم لنيل رضا أشقائنا في دبي وأبو ظبي، بعد أن نسخنا آياتنا، "ليرضى عنا اليهود"، فأنتم واسطة العقد، والطفل المدلّل الذي لا يجرؤ غيره على حمل طلبات أشقائه إلى أبيه وأمه، ونعدكم أن لا نخدش مشاعركم أو مشاعر أشقائنا "الكبار" بمطالب من قبيل: "كفّوا عدوانكم عن غزّة"، أو "كفى تلويث أرضنا بالمستوطنات"، ولن نبالغ بمطالب على غرار الإبقاء على القدس عاصمة لفلسطين، أو السماح للاجئين بالعودة إلى أراضيهم، فتلك أماني خطفتها من بين أيدينا المعجزات والمستحيلات، بفضل "أشقائنا" الذين راحوا اليوم ينقّبون التاريخ ليبرهنوا على أحقية اليهود باستعادة "وطنهم" و"هيكلهم"، ودولتهم التي أخذوا على عاتقهم مدّها من "النيل إلى الفرات" مجانًا.

أعلم أن طلب "الجنسية" الإسرائيلية في المرحلة الراهنة أعصى من أن يتحقق لعربيٍّ مثلي، ولذا ربما أتنازل قليلًا عن سقف أحلامي بزيارة أشقائي في دبي وأبو ظبي، أو حتى بالحصول على "التأشيرة الذهبية" التي تؤهل حاملها دخول الفردوس "المفقود" بالنسبة لي، و"الموجود" بالنسبة لأمثالكم من رهط بن غوريون وغولدا مائير، مرورًا بشامير وبيغن الذين أتخيّل أن يعاد دفنهم قريبًا في أبو ظبي، تكريماً لـ"إنجازاتهم" باستعادة "وطنهم".

سأتنازل، مضطرًا، لأطلب منكم، ربما، أن تحملوا معكم بعض الأمانات التي أودّ إيصالها إلى أصدقاء هناك. سأدسّ في أمتعتكم، غير القابلة للتفتيش، ضمّة ملوخية ناشفة، لمعتقلي رأي يقبعون في السجون المعتمة هناك، ونصف كيلو جبنة مغلية لصديقي تيسير النجار الذي زعم قبل أن يموت إنه لم يُفرج عنه بعد، فما زال سجيناً في سجن الوثبة الذي التهم أثمن سني حياته، وعاد إلينا محتضرًا.

مصمّم، أيضًا، أن تحملوا رسالة إلى الحكام هناك، مفادها: نحن الذين نرفض أن ندخل أرضًا ملوثةً بأقدام العدوّ حتى لو منحتمونا التأشيرة "الماسيّة".