ورطة ماكرون

05 نوفمبر 2020
الصورة
+ الخط -

تحدّث الرئيس الفرنسي ماكرون، بعد حادثة قتل شاب مسلم مدرسا فرنسيا للتاريخ، في 16 الشهر الماضي (أكتوبر/ تشرين الأول)، بلغة لا علاقة لها بالحادثة المؤسفة وسياقاتها. ونقل الموضوع من مجال الصراع الإيديولوجي القائم في المجتمع الفرنسي إلى مستوى آخر. كان يتحدّث متقمصاً شخصية المفكر، ونَسِيَ أنه على رأس دولة ديمقراطية علمانية تحترم كل الديانات التي اختار مواطنوها اعتناقها. وقد حاول أن يُبْرِز، بطريقةٍ قطعيةٍ، أن ما وقع يرتبط بالوضع المأزوم للإسلام اليوم في العالم، كما يرتبط بالجمود الذي تعرفه المجتمعات الإسلامية والمجموعات المسلمة داخل فرنسا. وتضمن خطابه الملامح الكبرى للخطة التي ستواجه بها الحكومة الفرنسية مَن أَطْلَق عليهم المجموعات الانعزالية، وشخّصهم في مجموعات الإسلام المتطرّف الذي يستهدف قيم الجمهورية، ويعمل على إقامة نظام مواز لها، معلناً أنه بصدد التفكير في إعداد خطةٍ استراتيجيةٍ لمحاصرة هذه المجموعات.

استعاد ماكرون، في خطابه المتسرع والانفعالي، مواقف وأحكاما يتغنَّى بها اليمين الفرنسي المتطرّف منذ عقود، وتتغنَّى بها، بصيغ مختلفة ومتكاملة، الذئاب المنفردة التي تملأ قنوات الإعلام الفرنسي، مُطالبةً بطرد العرب والأفارقة والمسلمين من فرنسا، وسحب جنسياتهم وبطاقات إقامتهم. استعمل ماكرون أبشع الخطابات العنصرية المستفزّة. وتضمّن خطابه كثيراً من دعاوى الإسلاموفوبيا التي تُشخِّصُها هذيانات اليمين الفرنسي والأوروبي، وقد ازدادت هذه المواقف اتساعاً بعد فشل السياسات الغربية في دمج الجيلين، الثالث والرابع، من أبناء المهاجرين المُسْتَقْدَمِين من المستعمرات الفرنسية.

لم تنته معارك العرب مع الغرب الأوروبي، وبينهما تاريخ متجدّد ومتواصل من المنازلات

 

تساهم مجموعة من الإعلاميين والكتَّاب، على شاكلة إريك زيمور وميشال ويلبك، وكذا بعض رسامي الكاريكاتور في نشر وتعميم خطابات ورسوم تستفز مشاعر المسلمين في فرنسا وفي أفريقيا وآسيا وأوروبا. ومقابل مواقف من أشير إلى بعضهم هنا ورسوماتهم، وفي أغلبها مواقف عنصرية، تتخيَّل أن المسلمين يتهيأون لبناء قيم ونظام سياسي مغاير لقيم الجمهورية الفرنسية، فتخرج الذئاب المنفردة الأخرى متحمسةً لدولة الخلافة الإسلامية القادمة، فتصبح ملامح المواجهة واضحة المعالم، يمكن معرفة سياقاتها ومسبّباتها والقائمين على ضبط إيقاعها وخلفياتها.. يتعلق الأمر بتيارات الإسلام الرديكالي وتيارات اليمين المتطرّف والمُتَصَهْيِن، اليمين الذي يحمي إسرائيل، ويحتفل بالخطط الأميركية والغربية التي تجري أمامه، من أجل مزيد من تفكيك النظام العربي، باعتبار أنه يغذّي تيارات التطرّف الإسلامي.

تنتج خطابات الكراهية والعنصرية باسم قيم الجمهورية والتنوير والتسامح

عندما تواصل الذئاب المنفردة حضورها في قنوات الإعلام الفرنسية، مطالبة بفرنسا النصرانية اليهودية العلمانية في نقائها المتخيّل والمأمول، تنتج خطابات الكراهية والعنصرية باسم قيم الجمهورية والتنوير والتسامح. وعندما يُوَظَّف الإسلام المتطرّف لمواجهة العنصرية، ويمارس القتل بالبسملة والسيف، يبتعد كلية عن قيم الإسلام، فلا علاقة لدرسٍ في حرية التعبير برسومٍ أعدّت أساساً للإساءة إلى النبي العربي، ذلك أن رسالته وقيمه تحتاج إلى نقاش آخر، يفكّر في الدين في العالم اليوم، نقاش يشمل المسيحية واليهودية ومختلف الجوانب والأبعاد الروحية التي ما فتئت تغذّي الوجدان الإنساني هنا وهناك. أما خطاب ماكرون، فقد أعادنا إلى صراعٍ لا علاقة له في العمق، لا برسالة الإسلام وقيمه، ولا بمكاسب الفكر الحديث والمعاصر ومنجزاتهما. لقد انخرط في الاستعداد للانتخابات الرئاسية المقبلة، مستخدماً أسلحة اليمين المتطرّف وشعاراته.

لم تنته معارك العرب مع الغرب الأوروبي، وبينهما تاريخ متجدّد ومتواصل من المنازلات التي تتخذ مظاهر وتجليات تُقَنِّع أحياناً صوَّر الصراع، وتدفعها إلى التمظهر في أشكالٍ تُخفي سياقاتها وأسبابها الفعلية، وتُلْبِسها معطياتٍ تمنحها مقتضيات الدراما الصانعة للفواجع والجرائم البشعة، والصانعة لمظاهر التعالي والعنصرية في أجلى صورهما.

يُعاد التلويح بالصور الكاريكاتورية المسيئة للرسول العربي في درسٍ لحرية التعبير، أياماً قبل احتفالات العرب والمسلمين بعيد المولد النبوي، ويقوم التلميذ بجريمة قتل أستاذه، إلا أنه يجب ألا نغفل أن أجواء الإعلام الفرنسي لا تتوقف عن توظيف خطابات عنصرية معادية لأجيالٍ من الفرنسيين، استقدمتهم فرنسا من مستعمراتها للمشاركة في بنائها، وجنّدتهم في حروبها، ولم تتمكّن، بسبب سياساتها العنصرية، من تهيئة الوسائل التي تسهِّل عمليات اندماجهم في المجتمع. ذلك أن سياسة العزل في الأحياء الهامشية في الوسط المديني، وهي جزء من المخططات التي نهجتها، أثمرت ما آلت إليه أوضاع المجموعات المسلمة وباقي الأقليات التي تعيش اليوم أوضاعاً خاصة في فرنسا.

عندما يُوَظَّف الإسلام المتطرّف لمواجهة العنصرية، ويمارس القتل بالبسملة والسيف، يبتعد عن قيم الإسلام

جريمة قتل المدرس والصور المهينة لنبي الإسلام، والذئاب التي لا تتوقف في الإعلام الفرنسي عن المطالبة بإغلاق الحدود وطرد المهاجرين، تُعَدُّ سياقاتٍ مرتبطةٍ بالدراما التي ترتَّب عنها قتل المدرس وقتل من قتله .. ولكن حقيقة ما جرى ويجري منذ عقود، بأسماء وصور وحوادث عديدة، يشير إلى أمور أخرى أكثر تاريخية وأكثر عمقاً. ترتبط صورة ما جرى بالظاهر من جبل الجليد، لكن الأرض التي ينتصب فوقها الجبل تحمل مختلف الشروط التي هيأت ورتبت للوقائع الحاصلة.

استحضرت بشكل خاطِف، وأنا أتابع خطاب ماكرون ثلاثة مواقف: خطاب ميشيل عفلق وعنوانه ذكرى الرسول العربي، وفيه يتحدّث عن "بطل العروبة والإسلام"، ويبرز إنسانية رسالة الإسلام. موقف نابليون بونابارت في أثناء حملته على مصر منذ أزيد من قرنين، حيث بادر، وهو الفاتح المستكشف والغازي، إلى جمع لوحاتٍ كتبت عليها آياتٌ قرآنية فركب بجانبها بنوداً تشير إلى مبادئ حقوق الإنسان. وفي هذا الموقف معطياتٌ كثيرة غابت عن ذهن ماكرون، وهو يتحدّث في خطابه عن أزمة الإسلام. استحضرت أيضاً، وبصورة خاطفة، فقرة قوية جداً للمفكر التونسي، هشام جعيط، وردت في نهاية أحد فصول مصنفه "الشخصية العربية والمصير الإسلامي" (1974)، يوضح فيها تَنوُّع صور الحضور الإسلامي في التاريخ، وصوراً من شخصية نبي الإسلام في الثقافة العربية.. يذكر جعيط أنه عندما كان مقيماً في باريس، لإعداد أطروحته الجامعية عن مدينة الكوفة، توقف في الليل بعد أن أعياه البحث، وفتح شباك نافذته وكان الجو بارداً، فانتبه إلى أن الثلج قد يغطِّي المساحة التي أمام نافذته بالبياض، فتذكَّر صورة النبي العربي وأدواره في نشر رسالة الإسلام، تحدّث عنه بكثير من التقدير والإعجاب التاريخيين، على الرغم من أن جوانب عديدة من كتاب جعيط تتوخّى الدعوة إلى تجديد قيم الإسلام وتطويرها، ومحاولة ملاءمتها مع مكاسب عصرنا ومتغيراته.. استحضرت كل ما سبق، وأنا أتابع خطاب ماكرون، وأدركت المسافات الكبيرة بين مواقف من ذكرت ومواقف ماكرون.