وداع الكتّاب من الأصحاب

12 فبراير 2026

(إيتيل عدنان)

+ الخط -

كان الشاعر الراحل فتحي عبد الله حينما يحضر إلى الشقة في بولاق الدكرور يملأ المكان بهجة وصخباً وضحكاً، خصوصاً إذا في صحبته القاص الراحل أسامة خليل. أما لو كان جيب أسامة عامراً بالفلوس والبركة وكيلو البسبوسة، وهو مريض السكر وفي مراحله الحرجة، فاعرف أن الليلة كلها على "كفّ عفريت". ولو حضر القاص الراحل سعد الدين حسن، حينئذ تعم سحابة من الهدوء، ويظلّ ذلك الضحك الهادئ جداً للراحل إبراهيم فهمي، وكل آن يسأل سعد الدين حسن عن حال طنطا، يجيب سعد بهدوء: "حلو عايشين يا إبراهيم"، يصرخ الراحل أسامة خليل: "وبعدين، يا عم سعد، هتقلبها لنا محزنة أنت وابراهيم، يعني نسيب الأوضة ونطلع على القهوة؟". يضحك إبراهيم فهمي ويميل عنقه، ويسكت سعد وتبدأ السهرة، وفي الصباح يتفرّق الجمع، ويطلب سعد الدين حسن مشطاً ومرآة، كي يراجع هندامه كعادته التي لا ينساها أبداً.

قبل رحيل الشاعر والمترجم الوقور محمد عيد إبراهيم، رحمه الله، طلب أن نتقابل في أي مكان، لأنه يحسّ بكآبة ما بشرط أن يكون معنا فتحي عبد الله. كان المرض قد وصل بسمومه حتى لحق عظام فتحي عبد الله، فبدت لي عظام ذراعه رفيعة جداً وهشة، أما محمد عيد إبراهيم فعلى كتفي كان يتوكأ قليلاً، حتى نزلنا محطة مترو الأنفاق بالإسعاف ومعه العصا، كان فتحي ينادي علينا أنا ومحمد من فوق محطّة المترو ويجلجل شاتماً: "آجي أشيلكم لما تروحوا أنت وهو ولا أمشي؟"، ضحك محمد عيد وقال له: "شكراً يا فتحي سلم لي على عيالك، وأشوفك تاني يا فتحي، قعدتكم حلوة والله يا أولاد الكلب"، فطبطبت على كتفه امتناناً.

كنّا في أول الشتاء، وكان الجو مبهجاً، وخصوصاً في لحظات خروجنا من تلك السهرة الجميلة والتي جعلناها في مكانين، وكأننا كنا نحسّ الوداع عن بعد. كانت حبّات غير قليلة من المطر تشاركنا الكلام والضحك والخطوات في آخر سمرنا وأخذت تمشي معنا حتى وصلنا إلى محطة مترو الإسعاف التي سوف يركب منها محمد عيد، ويتوجه فتحي عبد الله إلى أولاده بمدينة العاشر من رمضان، لم يكن في الحسبان قط أنه في يناير/ كانون الثاني من الشتاء نفسه 2020، سيرحل بشكل مباغت محمد عيد إبراهيم. ولم أكن أتخيّل أيضا قط أن في الشتاء التالي من عام 2021، سيرحل فتحي عبد الله كي يلحق به، فتحي، ذلك الذي ظل يبحث عن الراحل أسامة خليل في مقاهي السيدة زينب في مرضه الأخير بعد آخر مرة خرج فيها من شقته بعد ما أحس بقرب الأجل، وكان أسامة في حرصه الأخير قد مرّ على الصيدلي، كي يعلمه بمقصده إلى المستشفى وحيداً بعد ما أحس بتعبه الأخير من دون أن يكون في صحبته فتحي. ساقت الأقدار فتحي إلى باب الصيدلية، فذكر له أن صديقك الكاتب كان متعباً وتوجه إلى المستشفى وترك لك ذلك العنوان.

دخل فتحي المستشفى وسأل عن أسامة، فساقه موظف الاستعلامات إلى باب المشرحة، كانت جثة أسامة مركونة بعد جثتين، عرفها فتحي في الحال وأخبر أهله، وأخذه أهله إلى المدافن ولم نحضر له جنازة، وكأن أسامة كان لا يحب ذلك ولا يطيقه، فاكتفى بصخب الحياة وحدها والسينما التي كان يعشقها والكاميرات.

كانت الحياة هي المفضلة دائماً لدى أسامة، مات سعد في طنطا بين أهله هادئاً قريراً وارتاح من ركوب القطارات من محطة مصر إلى قريته "شبشير الحصة"، نصف قرن، يأتي إلى القاهرة ليوم أو يومين زائراً محبوباً من الجميع، ويعود إلى قريته في خفة رجل أنيق يكتفي بالزاد القليل جداً، لدرجة أنني لم أره يأكل إلا "ساندوتش" وحيداً، أو علبة زبادي، أما إبراهيم فهمي فقد كان لموته حكاية تروى، فقد جلس في مقهى زهرة البستان يغير حجارة الشيشة ساعات حتى آخر الليل، ولمّا أحسّ بتعب ما ذهب كعادته للنوم في شقة جرجس الغارسون، وعاد جرجس فجراً فوجد إبراهيم قد وقع من فوق الكنبة. كان ابراهيم قد فارق الحياة تماماً، واحترنا في أي مكان ندفنه وهو القادم من بلاد النوبة البعيدة، إلى أن وجدوا في جيبه قصاصة قد أوصى فيها "في حالة موتي، ادفنوني بجوار أختي بمدافن بهتيم". وبناء على الوصية كان له ما أراد تماماً. وأتذكّر أن بجوار قبره كانت هناك نخلة صغيرة شاحبة وأسلاك الضغط العالي للكهرباء تُحدث وشيشاً صاخباً، وأخذنا العزاء فيه بمقهى زهرة البستان، وتلك نادرة لم ينل بركتها، سوى إبراهيم فهمي، والكاتب الراحل مكاوي سعيد، عليهما رحمة الله، والحي، كما يقال، يقاسي في الدنيا، يا حبيبي، على رأي المرحوم إبراهيم فهمي.

720CD981-79E7-4B4F-BF12-57B05DEFBBB6
عبد الحكيم حيدر

كاتب وروائي مصري