وداعاً "يونامي"

16 ديسمبر 2025

غوتيريس والسوداني في بغداد في حفل انتهاء مهمة بعثة الأمم المتحدة (13/12/2025 الأناضول)

+ الخط -

جاء حفل إنهاء خدمة بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق (يونامي)، الذي أُقيم السبت الماضي (13 ديسمبر/ كانون الأول 2025)، تتويجاً لمسار بدأ منذ عامَيْن تقريباً، بناءً على طلب من الحكومة العراقية، لانتفاء الحاجة إلى البعثة. وعلى أثر ذلك، بدأت "يونامي" إغلاق مكاتبها في المحافظات وتسريح موظّفيها العراقيين بالتدريج، كما أوقفت برامج التمويل الأممية المتعلّقة بالمناخ ودعم المنظّمات المعنية برصد المخالفات ضدّ النساء والأقليات وبرامج حقوق الإنسان وما إلى ذلك. حدث هذا من دون وجود برامج وطنية موازية تكفل استمرارية النشاط في هذه الملفّات. وفقد عراقيون كثيرون وظائفهم مع الأمم المتحدة، التي يبدو أنها اقتنعت بتبرير الحكومة العراقية: "العراق لم يعد دولةً في حالة أزمة تستدعي وصاية سياسية". وجاء هذا التبرير في رسالة رئيس الحكومة في مايو/ أيار 2024.
تضرّرت من هذا الانسحاب بعض منظّمات المجتمع المدني العراقية التي كانت تعمل مع "يونامي"، ولكنّها ليست الطرف الوحيد المنزعج، فهناك مُعلِّقون يرون أن العراق سيفقد مراقباً محايداً، بشكل ما، كان يرصد المخالفات والانتهاكات ويؤشّر على مسار حقوق الإنسان في العراق. كما أن جزءاً من السُّنة والكرد يشعرون بأن انسحاب الأمم المتحدة يمنح قوةً أكبر للفاعل السياسي الشيعي في بغداد، خصوصاً مع خضوع هذا الفاعل للتأثيرات الإيرانية.
لا يمكن المقارنة بين الدورين الأميركي والأممي في العراق بالطبع، ولكن مشهد إعلان انسحاب "يونامي" في عامنا هذا يذكّر بمشهد انسحاب آخر؛ انسحاب القوات الأميركية في أواخر عام 2011. المشترك العام بينهما تركُ العراقيين وشأنهم. وقد أثبتت الأحداث اللاحقة أن العراقيين لم يكونوا مؤهّلين بعد لإدارة شؤونهم من دون تدخّل لاعب دولي أو قوة عظمى. وعملياً، ظلّ الوسيطان الإيراني والأميركي مهمَّين لضبط إيقاع المسارين السياسي والأمني في العراق، منذ تلك الفترة. في تلك الفترة، كان السُّنة والكرد أيضاً يشعرون بالقلق، وعبَّرت القيادات الكردية صراحةً عن معارضتها للانسحاب، فأوضح رئيس إقليم كردستان (في حينه) أن العراق "ما زال بحاجة إلى بقاء القوات الأميركية فيه، وأن جميع القوى السياسية تقول ذلك في الاجتماعات الثنائية لكنّها تزايد على بعضها علناً"، فطالب بإبرام اتفاقية أمنية ثنائية تبقي الجيش الأميركي فترةً أطول، لسدّ الثغرات في الملفّ الأمني العراقي.
وكانت القيادات السُّنية تمارس موقفاً نفاقياً، فتؤيد الانسحاب علناً، ناظرةً إلى جمهور الجماعات المسلّحة السُّنية، بينما في الجلسات الخاصّة، يؤكّد أحدهم للآخر بكلام صريح أن الانسحاب يعني تسليم العراق إلى إيران. في وقتها، ظهرت العديد من الرسوم الكاريكاتيرية في الصحافة الأميركية تسخر من الانسحاب المتعجّل من العراق، أحدها يُظهر أوباما وهو يسلّم مفتاح سيارة متهالكة، يجلس أمام مقودها نوري المالكي، رئيس الوزراء آنذاك، ومن خلفه دخان حرائق ومفخّخات، وعلى السيارة يربض أفراد من المليشيات يشهرون أسلحتهم في الهواء ويتصايحون. وكانت العديد من التعليقات في وقتها تجمع على الصيغة التالية: إن الاحتلال كان خطأً، وهذا الانسحاب المتعجّل خطأٌ آخر. وتحجّج أوباما حينها بأنه ينفّذ وعداً انتخابياً قطعه، وأيضاً هي إرادة العراقيين وحكومتهم المُنتخَبة.
اليوم أيضاً يظهر رئيس الوزراء العراقي مع الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريس، في حفل وداع "يونامي"، ليُعرب عن نيات مشابهة؛ فالعراق لم يعد بحاجة إلى الأمم المتحدة، وهو بلد مستقرّ وآمن. وهذه فرضية تبدو أقرب إلى الترويج الدعائي منها إلى الوقائع الصلبة؛ فالأمن المتحقّق مرهون بمزاج المليشيات، ويمكن لأيّ شخص أن يُجري إحصائيةً بسيطة ليكتشف عدد الخروقات الأمنية، وبعضها خطيرٌ جدّاً، تسبّبت بها المليشيات هذا العام. ويرى كيف كانت استجابةُ الحكومة لها فاترةً وخجولةً وغير حاسمة.
المشاعر الوطنية توجب بالطبع الاحتفال بأيّ خطوة تقرّب العراق من وضع الدولة الطبيعية، ولكن ماذا لو كانت المشاعر محلّقة في فضاء حالم، لا علاقة له بالوقائع على الأرض؟