وداعاً دستويفسكي العالم العربي

18 اغسطس 2025   |  آخر تحديث: 02:45 (توقيت القدس)
+ الخط -

لقب "دوستويفسكي العرب" أضفاه يوسف إدريس على صنع الله إبراهيم، وهو يكتب مقدّمة المجموعة القصصية "تلك الرائحة"، أول ما وقعت بين يديّ من كتابات صنع الله، ويسرد فيها صفحات سنوات سجنه. كان ذلك في أواخر الثمانينيّات في فترة الثانوية العامّة، حين وجد القاصّ الملقب "تشيخوف العرب" العالم العربي، ما ينمّ عن موهبةٍ كبيرة، وهو ما ذكره بالتفصيل في مقدمته الطويلة. وحين سافرتُ إلى المغرب للدراسة صار صنع الله ينشر بعض رواياته في حلقاتٍ في صحيفة الاتحاد الاشتراكي، وكان من أبرزها "ذات".
حين توفّي الكاتب المغربي محمد شكري، كتب الشاعر التونسي ناجي الخشناوي مقالاً عنه، جاء فيه: "رحل كاتبٌ عاش وكتب ضدّ الأدب"، وهنا يرمز إلى الأدب بمعناه الاجتماعي. صنع الله إبراهيم في هذا السياق، ومن دون البحث كثيراً عن مقابل هذه الكلمة، كاتب عاش وكتب مع الأدب الملتزم، بمعناه السارتري. لم تكن الكتابة بالنسبة إليه لحظة استرخاء، بل شغل شاغلٍ وعملٌ طويلٌ يسبق السطر الأول، وكان يستحقّ جائزة نوبل للآداب عن جدارة، ليس لأنه مؤثّر فقط، إنما أيضاً لأن إبداعه ناجمٌ عن اشتغالٍ شاقّ وحمّى وسهر واعتكاف وعزلة، تستمرّ أحياناً عشر سنوات. إلى جانب استخدامه تقنيات عديدة للاستفادة من التاريخ أدبياً، ومن عطايا الصحافة والأرشيف. اعتكف واجتهد ونبش وغاب، ليُخرج لنا رواياتٍ تحدث أصداء واسعة لا مثيل لها، كما حدث مع روايته الأشهر "اللجنة"، التي جُسّدت في المسرح، كما في مصر في مسرحية من أبطالها نور الشريف، وفي أخرى في المغرب حملت الاسم نفسه، كان من نجومها ثريا جبران، كما حوّلها فنّان القصص المصوّرة، الفرنسي والصحافي في صحيفة لوموند، توماس أزويلوس، روايةً مصوّرة (الحديث هنا عن عمل واحد من أعماله). التاريخ والماضي عند صنع الله يظهر حيّاً مَعِيشاً، يشارك القارئ في صنع ديمومة الإحساس به، كما حدث مع رواية "وردة"، وهو أحد ثلاثة مصريين، كتبوا رواياتٍ عن عُمان، إبراهيم عبد المجيد في "شهد القلعة"، وإبراهيم فرغلي في "كهف الفراشات". ورواية "وردة"، وإن كان هدفها التاريخ السياسي تاريخ ثورة ظفار تحديداً، إلا أن حركتها منذ البداية آنية، أشبه بأسلوب الرحلات أو السير الذاتية، حين يحلّ مسافر على مطار مسقط، ينتظره هناك سائق. وانطلاقاً من تلك اللحظة، يبدأ بوصف ما سيراه من صمت وعتمة وتوجّس وغرابة. وكانت هذه الزيارة بدعوة للإقامة من وزير الإعلام العُماني السابق، عبد العزيز الرواس، الذي أطلع الكاتب أيضاً على كلّ ما سأل عنه من أرشيف ثورة ظفار.
لبّى صنع الله هذه الدعوة إذن، وفي ذهنه كتابة رواية لا تبتعد عن انشغالاته، سواء الإبداعية أو السياسية اليسارية، وهو يدمج الأرشيف بالمتخيّل. وقد كان في أثناء إقامته في مسقط حريصاً على لقاء الناس، خصوصاً الكتّاب، لأنه يلتفت إلى جميع التفاصيل. حين عاد إلى القاهرة، تذكّر أنه نسي أن يصوّر أمراً قد يبدو ساذجاً، وهو قائمة طعام في مطعم مرّ عليه في أثناء رحلته، وقد ألحّ في طلبه والاتصال بمن عرفهم من الكتّاب العُمانيين، ولم يهدأ له بال حتى تواصل معه.
تُبنى روايات صنع الله على استدعاء التاريخ، ولكن ليس استدعاءً فلوكلورياً بارداً تعليمياً، إنما استدعاء مدموج بتعقيدات الحاضر ومتاهاته. ويجعل هذا الأسلوب من التاريخ نابضاً بالحياة، وقابلاً للعيش في مختلف الأزمان. كما أنه لا يحشُر الذاكرة السياسية في قالبها المؤدلج، إنما يفتحها على فضاء العلاقات والحبّ والطفولة، كما فعل في رواية "وردة"، حين سافر إلى عُمان، وكما فعل مع رواية "برلين 69" حين سافر إلى ألمانيا، فيمتزج السياحي بالتاريخي امتزاجاً مربوطاً بانزياحات الخيال الذي يرتّب الأحداث ترتيباً واقعياً أو قريباً من الواقع.
يُكمل يوسف إدريس حديثه الطويل عن الكتاب الأول لصنع الله إبراهيم: ""تلك الرائحة" ليست مجرّد قصّة، ولكنّها ثورة، وأولها ثورة فنّان على نفسه، وهي ليست نهاية، ولكنّها بداية أصيلة لموهبة أصيلة، بداية فيها كلّ مميّزات البداية، ولكنّها تكاد تخلو من عيوب البدايات، لأنها أيضاً موهبةٌ ناضجة".

593B5A80-7333-4F6B-AC2C-800C049BDB93
593B5A80-7333-4F6B-AC2C-800C049BDB93
محمود الرحبي

كاتب وقاص عُماني، صدرت له تسع مجموعات قصصية، وأربع روايات، فاز بعدة جوائز عربية

محمود الرحبي