وثائق إبستين... أخبرتنا أمهاتنا
أخبرتنا أمهاتنا عن أمثال جيفري إبستين، وحذّرننا من الوقوع في فخاخه: شرٌّ متجسّد في هيئة إنسان. لم يكن وحده هناك؛ فالفضائح المتلاحقة بشأن تورّط قادة دول وشخصيات سياسية ورياضية وفنّية وثقافية وأيديولوجية في حفلاته، فضلاً عن توريط أطفال (منهم مَن خُطف) في تلك الجرائم، لم تعد مجرّد حكايات لوالدات خائفات على أولادهن، بل صارت تظهر أمام أعيننا في عالمٍ مسكونٍ بشرّ غير قابل للكبح، وبساديّة لا يمكن تفسيرها، وبإجرام لا يمكن تصوّره. سيكون هذا الشرّ هو السقف الأعلى، أو المثال الذي ستتطرّق إليه أمهات الغد للإشارة إليه وتحذير أولادهن من التعامل مع الغرباء أو أخذ شيءٍ منهم. ستبدو روايات عن "أم رعيدة" و"الغول" مجرّد أساطير في غاية البراءة، قياساً إلى العالم الشرير الذي نحيا فيه.
من الصعب تخيّل المُعتدى عليهم، من أطفال ونساء، في أفعال إبستين ورفاقه، والألم الذي عانوه، والرعب الذي سكن عيونهم. ليس سهلاً التفكير بكيفية إحقاق العدالة لمن بقي حيّاً منهم على وقع تطاير لهب نظريات المؤامرة يمنةً ويسرى، وتبرّؤ العديد من الشخصيات الواردة أسماؤها في وثائق إبستين منه، بل الإسراع إلى رفع شعارات البراءة. وحده الرئيس الأميركي دونالد ترامب دفع بفكرة تجاوز الفضائح لمصلحة أيّ شيء آخر. لا يريد ترامب أن يفهم أن هناك بشراً عانوا من اعتداءات في ملاذ شخصٍ كانت له هو نفسه علاقة صداقة معه. المطالبة بطيّ صفحة وثائق إبستين بالنسبة إلى ترامب تناقض أحد شعارات حملته الانتخابية لرئاسيات 2024. لا يهمّ؛ في النهاية سيظهر كل شيء.
تتصل المسألة هنا بمدى الإجرام الذي يمكن أن يصل إليه إنسان. لا يتعلّق ذلك بحرب أو اعتداء أو عمل إرهابي أو حتى جريمة قتل فردية. تلك الحالات، وعلى فداحة نتائجها، تبقى أقلّ تأثيراً من ممارسة شخصٍ إجرامه بشكل متكرّر من دون الشعور بالذنب أو الشرّ. إلى أيّ حدّ يمكن أن يصل الإنسان إلى ارتكاب جرائم بهذه السهولة، من دون تصوّر أن هناك ردّة فعل ستنشأ، وأنه سيلاقي قصاصاً؟ في الدين والعلم، كل فرد ينال جزاء أعماله. لا يمكن محو سنوات من القهر بحقّ مُعتدىً عليهم، تحديداً الأطفال، بكلمة "آسف". إلى أيّ حدّ سيبقى هذا النمط من الشرّ متحكّماً بالبشرية، ودائماً في مواقع قرار وسلطة، حتى لو سقط عناصره على قارعة الطريق خلال رحلة الجرائم؟
لم تخطئ أمهاتنا حين قلن لنا: "لا تأخذوا شيئاً من أحد"، "اهربوا من كبارٍ يتصرّفون بطريقة مريبة"، "لا تصغوا لأحد في وسائل التواصل الاجتماعي"، "لا تثقوا بكل ابتسامة ترونها"...، الخطأ ليس هنا، بل في مرتكبي الشرّ. أليس لدى هؤلاء أمهات تحدّثن إليهم عن ضرورة النجاة من الغرباء؟ ألم ينالوا نصائح من قبيل "ابقَ بعيداً عن كل غريب، ونادني بأقوى صوت إن شعرت بالخطر"؟ صدقاً، كيف يمكن لمثل هؤلاء أن يناموا ليلاً بعد ارتكابهم جرائمهم؟ المسألة ليست مرتبطة بضميرٍ، بل بخيالاتٍ وكوابيس تتلاحق أثناء رقادهم. كيف يكون بوسع هؤلاء التصرّف وكأنّ شيئاً لم يكن؟ ربما شرّ العالم وقساوته أكبر ممّا يمكن التفكير به أو تخيّله.
المصيبة هنا أن تسارع عمليات الإفراج عن وثائق إبستين، وظهور عديد من الملفّات في أميركا وخارجها، يُسرّع، في المقابل، عملية احتواء أممية؛ ولم يكن موقف ترامب فيها عابراً. وأيّ محاولة ناجحة لحماية أفرادٍ تورّطوا في الفضائح ستنعكس إجراماً توسّعياً في الكوكب، وستسمح بنشوء حالات مماثلة (إن لم تكن تشكّلت أصلاً) مدركةً أنها ستنجو في السياقات الجماعية كأيّ حالة نجاة سابقة للشرّ عبر التاريخ، ولو انهار أفرادها. ستشعر الحالات الجديدة بالقوة الناجمة من عدم محاسبة أركان وثائق إبستين، وستندفع لتحقيق مآربها والنجاة بها. أخبرتنا أمهاتنا عن ذلك كلّه. لم تكن مخطئات. ها نحن نشهد ذلك.