واقعة "كورمور" تلد خريطة طريق جديدة
إذا ما اعتمدنا المثل "ربّ ضارّة نافعة"، فإن الهجوم الشرير الذي نفذته المليشيات الولائية على كورمور، أكبر حقل غاز طبيعي في العراق، أدّى إلى الإسراع في ولادة خريطة طريق جديدة لتصحيح الوضع الماثل على امتداد أكثر من 20 عاما، وإن كانت هذه الخريطة من صنع أميركا، وليس نتيجة جهد عراقي وطني خالص.
يلخّص لنا المبعوث الرئاسي الأميركي إلى العراق مارك سافايا خريطة الطريق التي تريدها واشنطن في نقاط رئيسة، "حلّ قضية السلاح الخارج عن سيطرة الدولة (..)، فصل السلطات، واحترام الأطر الدستورية، ومنع التدخّلات التي تعوق عملية استقلال القرار السياسي أو تضعف استقلال الدولة". ويخلُص إلى أن على العراق "إما أن يتّجه نحو مؤسّسات مستقلة قادرة على إنفاذ القانون وجذب الاستثمارات، أو العودة الى دوامّة التعقيد التي أثقلت كاهل الجميع".
ورغم اللغة الدبلوماسية الهادئة التي صاغ بها سافايا تغريدته، إلا أن العراقيين، ومنهم رجال الحكم، يدركون جيداً أنها تمثل "البيان رقم 1" المبشّر بانقلاب سياسي يعيد توزيع السلطات ليضعها في أيدي شخصياتٍ معتدلة من "التكنوقراط"، غير موالية لإيران، وأقرب إلى الولايات المتحدة، تعمل على فك الارتباط مع إيران، وتفكيك المليشيات الموالية لها، وحصر السلاح بيد الدولة، وتعمل على بناء اقتصاد قوي ومنتج من خلال إيجاد بيئة استثمار صحية، بعيدة عن ظواهر الفساد والمصالح الخاصة تضمنها تشريعات وقوانين ثابتة، وكذلك تعزيز التعاون مع الشركات والمؤسسات الأميركية بما يعنيه ذلك من الحيلولة دون وصول الموارد العراقية إلى إيران الخاضعة لعقوبات أميركية ودولية متعددة.
وندرك أن ليس لدى العراقيين في حالهم اليوم "فائض قوة" كي يرفضوا هذه الخريطة، أو حتى أن يجروا عليها التعديل الذي يريدونه إنما عليهم فقط قبولها والرضوخ لاشتراطاتها وإلا فإن العقوبات سوف تطاردهم، حكومة ومؤسسات وشخصيات نافذة، ويمكنهم، وهم في هذه الحال التي لا يحسدون عليها، أن يعزوا أنفسهم فلربما تنفتح أمامهم أبواب مغلقة توصلهم الى تغيير ما هو قائم، وخاصة أن كلفة الرفض أو التجاهل، إن حدثت، ستكون مرة وقاسية في ظل "غطرسة القوة" التي يهوى ممارستها القطب الأميركي الأوحد، ولأن لا ضير من قبول ترتيبات معينة تتفق مع المصالح العراقية، حتى لو جاءت ممن أسس لكل هذا الخراب، ما دامت هذه "الترتيبات" تعين أهلنا على التقاط الأنفاس، ولو إلى حين، ولسوف يتكفل الزمن بحلّ ما يعتور الحال من مصاعب وعقبات.
ينذر التشابك في الرؤى والمصالح بين الأميركيين والإيرانيين، بكثير من السوء الذي قد يلحق بالعراقيين
السؤال المستجد هنا: هل سيصمت الإيرانيون في مواجهة "الانقلاب" السياسي الذي يقوده الأميركيون في العراق، وسوف يعصف، في نهاية المطاف، بكل ما بنوه، وخطّطوا له في هذا البلد، وقد ينهي، ربما إلى الأبد، هيمنتهم على ما يعتبرونه الامتداد الطبيعي لمشروعهم الطائفي - العرقي في المنطقة، وما يتبع ذلك من خسارات لبلادهم على كل المستويات؟
توحي الإشارات الصادرة من قم وطهران أن الإيرانيين لن يتورّعوا عن التدخل، على نحو مباشر أو غير مباشر، لإثارة الفوضى والقلاقل في مدن العراق، لعرقلة تنفيذ ما تريده واشنطن، وثمّة "كومة" رسائل نقلها مسؤولون إيرانيون، في مقدّمتهم قائد فيلق القدس والمسؤول عن الملف العراقي إسماعيل قاآني، إلى حكّام بغداد على مدار السنة الأخيرة توحي بما يضمرونه من نيات شريرة، وتحمل تحذيراتٍ صريحة للعراقيين من "محاولات تفكيك الحشد الذي يشكل قوة عقائدية منظّمة ومدرّبة تمثل خط الدفاع الأول عن العراق، وتحول دون أن يبتلعه الأميركيون"، وما أوصى به علي خامنئي نفسه رئيس حكومة العراق محمد شياع السوداني، في أثناء اللقاء بينهما في قم بمطلع العام 2025 عن "وجوب تعزيز دور الحشد الشعبي وتوسيعه"، وكذلك ما قاله مجتبى حسيني، ممثل خامنئي في العراق، إن حل المليشيات "أمنية أميركية لن تتحقق"، وتأثير ذلك كله على مصالح إيران وأمنها القومي.
إلى ذلك، ينذر التشابك في الرؤى والمصالح بين الأميركيين والإيرانيين، وما يحتمل حدوثه من تعقيدات وتداعيات في المشهد العراقي، جاءت من هذا الطرف أو ذاك، بكثير من السوء الذي قد يلحق بالعراقيين، لكنه يمكن أن يكون مدخلاً إلى تحقيق وضع أفضل، وللزعيم الصيني ماو تسي تونغ إشارة لماحة بهذا المعنى: "إن الأوضاع يجب أن تسوء أكثر كي تصبح أفضل".