هو يكذب وهي أيضاً تكذب

19 نوفمبر 2020
الصورة

جبران باسيل والسفيرة دوروثي شيا

+ الخط -

هو: زعيم طائفي من بين الزعماء. جبران باسيل، الأشهر من بين نظرائه. يتلقّى صفعة أميركية قوية، بعقوباتٍ اقتصادية تهمّشه، وربما تقضي على حلمه بالصعود إلى عرش الجمهورية، بعد انقضاء عهد عمّه الرئيس. ردّه لا يتأخر. يرتدي ثوب البطولة، والتضحية والجلْجلة. ثم يروي لنا أنه، عشية صدور العقوبات، اتصل به "مسؤول أميركي"، وطلب منه فكّ العلاقة مع حزب الله فوراً، وإلا ستُفرض عليه عقوبات. وتابع: إن الأميركيين استخدموا معه "سياسة العصا والجزرة"، وقدّموا له مغريات بالنجومية والسخاء المادي. ولكنه هو ليس "عميلا". لا يخالف مبادئ حزبه القائمة على الامتناع عن "الأخذ بتوجيهات الخارج". وبالتالي، لن يتخلى عن حزب الله. وسأل الأميركيين "هل لو قطعت العلاقة مع حزب الله.. لم أكن سأصبح فاسداً وفقاً لقراركم؟".
هي: سفيرة الولايات المتحدة في لبنان، دوروثي شيا. لا تلبث هي الأخرى أن تردّ عليه. فتروي: النائب جبران باسيل أبدى استعداده لفكّ التحالف الذي يجمعه مع حزب الله مقابل شروط معينة، مشيرة إلى أن العقوبات التي فرضتها بلادها على باسيل، لارتكابه وقائع فساد، هي بموجب قانون ماجنيتسكي وحسب، المقتصر على الفاسدين. وأن باسيل أعرب لها شخصياً عن امتنانه لأن الولايات المتحدة الأميركية جعلته يرى كيف أن العلاقة مع حزب الله غير مواتية للتيار الوطني الحر الذي يرأسه. وبعبارات دبلوماسية، بدل أن تصرخ في وجهه "كذّاب"، تختم: "أن رئيس التيار الوطني الحر (باسيل) قام بتسريب معلومات انتقائية خارج سياقها تتعلق بمناقشات جرت بينهما، ظناً منه أن ذلك الأمر يخدم قضيته". مضيفة: "لديه سوء فهم لكيفية سير العقوبات ونقص في فهم السياسة الأميركية وكيفية صنعها".

تروي سفيرة الولايات المتحدة دوروثي شيا: النائب جبران باسيل أبدى استعداده لفكّ التحالف الذي يجمعه مع حزب الله مقابل شروط معينة

من بين هؤلاء الاثنين، من نصدّق؟ السفيرة الأميركية؟ الموظفة في إدارة رسمية، يرأسها أكبر كذّاب في تاريخ الجمهورية الأميركية؟ أكثر من ليندون جونسون، وخلفه ريتشارد نيكسون، اللذين كذبا بالوقائع، وتذرّعا بهجوم وهمي على مدمرة أميركية في خليج تونكان، ليشنوا غزواً على فيتنام، ويستمروا فيه .. أو أكثر من جورج بوش، الأحدث عهداً، الذي قال إنه ذاهب لغزو العراق بغية القضاء على أسلحة الدمار الشامل التي صنعها صدام حسين.. نعم ترامب هو الأكذب من هؤلاء الثلاثة. ومن البديهي أن الموظفين العاملين تحت إمرته يقومون بواجبهم عندما تنزل عليهم تعليماته، هو الكذّاب العلني. وأهم كذبة للسفيرة الأميركية: إنها تعاقب على فسادٍ ليس حكراً على باسيل، أو جماعة "المحور الإيراني".
أم نصدّق إذن جبران باسيل؟ صاحب الأرقام القياسية بالكذبين، المحلي والدولي. وبشهادة وقائع لا تنتهي. ما يطول سرده وشرحه هنا. وهو، أي باسيل، مثل غيره من سياسيي لبنان، استفاد جلّ الاستفادة من العهد الترامبي، خصمه "الجيو سياسي". إفادة معنوية ورمزية من أرقى المستويات. فكما أن الرئيس الأميركي أدخل عائلته إلى المكتب البيضاوي، كذلك فعل عمّ جبران، أي الرئيس الذي سلّمه من المفاتيح ما يتفوق عدداً وثقلاً من التي سلمها الرئيس الأميركي لصهره جاريد كوشنير. مثل ترامب أيضاً، جبران انقسامي، يشتغل على الغريزة. انقسامي على أساس طائفي، كما يجدر بزعيم لبناني أن يكون، لكي يبقى. صحيحٌ أنه لا يتفوّق على ترامب بعدد كذباته. ولكن هذا الأخير منحه نفَساً إضافياً على نَفَسه الأصلي، فتنوعت أكاذيبه، وصارت تستحق فرزاً متأنياً لكثرة مشتقاتها: من التلفيق والنفاق، والغش والخداع والتحريض، إلى المداهنة والمراوغة والتضليل والتزييف والبُهتان. فضلاً عن عيّناتٍ من الأقوال المشفّرة التي لا تعني شيئاً إلا لجمهوره المحدود والمغلق، أو لخصوم أو حلفاء يتنازع معهم على الحصّة، المسروقة أصلاً. وأوضح كذبة لباسيل في حالتنا هذه أنه مخلص لحزب الله، من باب "ثباته" في محور الممانعة.

موقف جبران باسيل المتأرجح من حزب الله، لا "الثابت" كما يتغنى، تبعا لتأرجح موازين القوى، هو محور الموضوع

مع أن في كذبة الاثنين شيئا من الحقيقة: ضع العقوبات جانباً، وهي سلاحٌ قد يتفوّق على الطائرات المسيَّرة. السفيرة الأميركية تقول شيئاً من الحقيقة، عندما تعرض حيثيات العقوبات، بأنها تعود إلى فساد باسيل، وهو فساد مشهود. لا حاجة له لـ"الوثائق". وأن تعتمد العقوبات على قانون ماجنيتسكي وحسب، من دون غيره من القوانين، لا يكشف عن حقيقة الدافع الأميركي. ولو على سبيل "التربية" السياسية. ولكن أن يدور الحديث عن حزب الله لدى الاثنين، بالسلب أو الإيجاب، فهذا يعني أن العلاقة مع هذا الحزب كانت معيار العقوبات.
وإذا تذكّرنا الشخصيتين اللبنانيتين السابقتين موضع العقوبات الأميركية، يمكننا الاستنتاج بسهولة أن موقف جبران باسيل المتأرجح من الحزب، لا "الثابت" كما يتغنى، تبعا لتأرجح موازين القوى، هو محور الموضوع. خلف حجة الفساد، الرسالة الأميركية واضحة: كل من له علاقة بحزب الله هو فاسد. كل من يحلّ ارتباطه بحزب الله مُعفى من العقوبات، أي ضمناً غير فاسد، لا يستاهل عقوبات. وربما يأتي يوم تضم الولايات المتحدة خصوم حزب الله في لائحات عقوباتها، فقط لأنهم تراخوا أو استرخوا معه.

ما يجمع جبران باسيل والسفيرة الأميركية أن نظامي بلديهما ديموقراطيان. مع فرق، ليس الحجم أو القوة أو الثروة، بل في "نوعية" هذه الديموقراطية

تترك السفيرة الأميركية لنا ما نحن مستعدّون لتصديقه: أن جبران باسيل حاول أن يعقد صفقة مناورة، أو صفقة مراوغة.. مع الأميركيين. فهذه من طبائعه الصريحة. ويصفها بعض المعجبين بـ"الذكاء الحاد". من هنا، جبران باسيل، بـ"ذكائه" هذا، ترك لنا بعض الحقائق. أن الأميركيين ضغطوا عليه لكي يفكّ ارتباطه بحزب الله. ثم يعود إلى التلفيق بأنه "لا وألف لا".. فنغمة الحلف الأبدي مع حزب الله. وهلم جرا..
الحقائق الملغومة، المنقوصة، المجتزأة، التقريبية، الضبابية.. الحقائق المنسوجة بخيطان دقيقة وسميكة، المجدولة بضفائر مرصوصة، كلها ليست من خصائص الديموقراطية، إنما من جذور الاستبداد وفنونه. عندما تتعطّل عقول المواطن، هكذا، بأكاذيب يومية، تطاول القضايا الكبرى كما الصغرى، لا يعود المواطن يستطيع أن يفهم، أن يتحرك، أن يعلّي صوته. خصوصاً المواطن الغارق في طوَفان بلاده. كثيرون باتوا يقرّون بالكذب في الأنظمة الديموقراطية، ويرونه "حلالاً". وترفع من نسبة هذا التسليم سمومٌ تنخر بالديموقراطيات العريقة، وتحولها إلى ممالك كذب، مثلها مثل ممالك الاستبداد. وقد يكون صعود ترامب، وما يشكّله من خطر على الديموقراطية، هو من تسرّب سموم الكذب في بنية العقل الديموقراطي الغربي العميقة.
ما يجمع جبران باسيل والسفيرة الأميركية أن نظامي بلديهما ديموقراطيان. مع فرق، ليس الحجم أو القوة أو الثروة، بل في "نوعية" هذه الديموقراطية. الأميركية حيوية، قادرة حتى الآن أن تحمي نفسها بنفسها، ولو نسبياً. هي تغير وتبدّل وتحاول. تنجح مرة وتخفق أخرى. فيما الديموقراطية اللبنانية، على كثرة حركتها وضجيجها، تعوزها البرَكة.. لم تغير ولم تبدّل ولم تحاول، فهي ديموقراطية "توافقية" لدولة طائفية، تحاصصية، مفْلسة، بلا أخلاق ولا عيب ولا مقاييس ولا دستور ولا قوانين. ومن قواعد بنيتها كذبٌ، كان في بداية عهده مسموحاً، أكثر من اللازم ربما. فتتطوّر إلى كذب أسطوري، لا تزيحه الملائكة، ولا يقدر عليه الرُسل. التغيير، إن كان فيه أمل، يبدأ بتفكيك منظومة الكذب التي تقوم عليها هذه "الدولة"، الحاكمة لحياتنا وموتنا.