هنيئاً للنظام السوري بائتلافه المعارض

24 نوفمبر 2020
الصورة
+ الخط -

أصدر ائتلاف قوى الثورة والمعارضة السورية قراراً، يوافق فيه على أيّة انتخابات "رئاسية أو برلمانية أو محلية" ستجري في سورية، أي على أيِّ انتخاباتٍ يجريها النظام الحالي، وأرفق قراره الثوري بأن المقصد منه "نشر الوعي" بأهمية الانتخابات، ولتمكين "الائتلاف" من أيّة منافسةٍ مستقبلية. وكي لا يبدو الأمر شرعنة لانتخابات النظام الرئاسية في العام 2021، أشار القرار إياه بأنه سيشترك بانتخاباتٍ، تتوفر فيها "بيئة آمنة، وتحت إشراف الأمم المتحدة ووفق بيان جنيف 1 والقرار 2254". وبذلك يتوهم قادة الائتلاف "الفطاحل" استغباء الناس، وتبرئة ذمتهم، وأنهم ما زالوا على العهد معارضين للنظام وممثلين للثورة!
أولاً، كان القصد من تشكيل الائتلاف توسيع مشاركة القوى السياسية المعارضة، وبديلا عن المجلس الوطني السوري "المتطرف"، ولكنه، وبمضي الوقت، فقد كل أهميته، ولم يعد له دور ثوري، وأصبح قراره كاملاً بيد الأتراك، ويهيمن عليه الإخوان المسلمون بصفة خاصة، وهؤلاء كعادتهم، يدفعون شخصياتٍ سياسية لتتبوأ المناصب الأساسية. ومع الرئيس السابق للائتلاف، أنس العبدة، كان الأمر أكثر وضوحاً، فالرجل ليس إخوانياً حالياً، ولكنه ليس بعيداً عنهم. وهناك شائعة تؤكد أن "الإخوان" عادة ما يشكلون تنظيماتٍ رديفةً لهم، كي يصلوا إلى المؤسسات الحكومية أو المعارضة بأوسع تمثيلٍ، وهي قضيةٌ ليست مقتصرة عليهم، وهناك قوى سياسية كثيرة تفعل الشيء ذاته في العالم؛ لا يختلف الأمر مع رئيس الائتلاف الحالي، نصر الحريري، والقرار المتضمن تشكيل "المفوضية العليا للانتخابات".

كان القصد من تشكيل الائتلاف توسيع مشاركة القوى السياسية المعارضة، وبديلا من المجلس الوطني السوري "المتطرّف"

ثانياً، لم يلتفت قادة "الائتلاف" إلى الانتقادات التي وجهت لممارساتهم من قبل. وبسبب قلة الالتفات هذه، غادرته معظم القوى والشخصيات السياسية، ليصبح، كما سبقت الإشارة، إخوانياً، وهذا مثال سيئ للإخوان المسلمين في التعامل مع أطراف المعارضة الأخرى، ويمثل استبداداً، ليس بعيداً عن عقلية السلطة الحاكمة، وربما يعتقد الإخوان أنهم التنظيم الوحيد المعارض للنظام، والقادر على الشراكة معه كذلك، وهذا مضمون التسريبات أخيرا عن اجتماعاتٍ بين روسيا وتركيا، ويؤكد أن طبخة سياسية يعدُّ لها، بين الدولتين، مفادها تشكيل حكومة جديدة، من المعارضة والنظام، وبقيادة الرئيس بشار الأسد، وتتضمن السماح له بالترشّح مرة واحدة من جديد، ربما الأدق القول لحكم سورية سنوات جديدة. ويُنسب التسريب لفراس طلاس، وهو ينسجم مع كلام للرئيس السابق للمكتب السياسي لحركة المقاومة الإسلامية (حماس)، خالد مشعل، ويوضح فيه أن الإخوان كانوا مستعدّين للشراكة مع النظام، لو قَبِلَ بهم في العام 2011، ولكنه رفض المقترح، وطرد "حماس" لاحقاً من سورية!
ثالثاً، يأتي قرار "الائتلاف" استجابة للتنسيق التركي الروسي، الهادف إلى إغلاق الطريق على سياسة أميركية جديدة، تهدف إلى إنهاء أي وجود لحزب العمال الكردستاني في شمال سورية، والتقريب بين تركيا وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) والحزب الديمقراطي (بي يي دي)، وبما يشكل معارضة جديدة، كردية وعربية، من "قسد" و"الائتلاف"، وتكون مرجعيتها القرارات الدولية، وتحديداً 2254، وحشر روسيا في زاويةٍ ضيقة. ربما ليس الأمر كذلك بالضبط، ولكن قرار "الائتلاف" يمثل موقفاً تركياً ولصالح التنسيق بين تركيا وروسيا، سيما أن الدولتين تسارعان الزمن قبل مجيء الرئيس الأميركي الجديد، جو بايدن، والذي سياسته مختلفة عن سياسة سابقه ترامب، فيما يخص التشدّد إزاء كل من تركيا وروسيا، وبالتالي سيدعم "قسد"، وسيضغط على المعارضة لإقرار سياسة جديدة، تبتعد عن تركيا.

يأتي قرار "الائتلاف" استجابة للتنسيق التركي الروسي، الهادف إلى إغلاق الطريق على سياسة أميركية جديدة

رابعاً، سيكون النظام الذي طالما رفض المعارضة المتشدّدة سعيداً بقرار "الائتلاف"، وسيفهمه كما هو بالضبط، وبعيداً عن تفسيرات بعض قادة "الائتلاف" القرار، وذلك بسبب الرفض القوي من المعارضة للقرار، أي استعداد "الائتلاف" للمشاركة في الانتخابات المقبلة، وبالتالي سيكون خطاب النظام أن المعارضة لم تعد تعترف بالثورة ضده، والأخيرة إرهاب فقط!، وأن المعارضة راغبة فقط في المشاركة السياسية، وهذا يتطلب عملية سياسية، تنظم العلاقة بين النظام و"الائتلاف". والحقيقة هذا جوهر النقاشات المستمرة، وبدءاً من أستانة وسوتشي واللجنة الدستورية. وأخيرا، مسألة الانتخابات كذلك، وبالتالي تهميش كل ما يخص المعارضة والثورة. و"الائتلاف" بذلك يتخلى عن أية اشتراطاتٍ كانت المعارضة تؤكدها، أي الإفراج عن المعتقلين مثلاً، أو عودة المهجرين، وسواهما.
وخامساً، سيكون مصير الانتخابات مثل نتائج مسار أستانة وسوتشي واللجنة الدستورية، أي شطب "الائتلاف"، والإخوان المسلمين أيضا، ولكن مشكلة النظام أنه صار أداة بيد الروس، وهؤلاء لا يمكنهم السيطرة على سورية من دون تركيا، حيث تواجه روسيا أميركا وإيران وإسرائيل. ومن هنا حاولتُ تحليل مبرّرات إصدار ذلك القرار، وفيه تحفيز لروسيا بالضغط على النظام لقبوله، والسير في حلٍّ سياسي، يوضع على طاولة التفاوض، وتُجبَر أميركا عليه، أي تشكل حكومة مشتركة من "الائتلاف" والنظام، وبالتالي شطب "قسد"، وانسحاب الأميركان، والإيرانيين والأتراك كذلك.

سيكون النظام الذي طالما رفض المعارضة المتشدّدة سعيداً بقرار "الائتلاف"، وسيفهمه كما هو بالضبط، وبعيداً عن تفسيرات بعض قادة "الائتلاف" القرار

سادساً، مسار روسيا الجديد هذا ليس مستساغاً من الأميركان. وتعمل المؤشرات الأميركية على تعزيز نفوذها في شمال سورية، وعدم تهميش الأكراد، بل وضم العرب إلى "قسد" بشكلٍ جاد. وهناك القواعد العسكرية الأميركية، والتي تأخذ صفة الديمومة أكثر فأكثر. مصلحة "الائتلاف" في العودة إلى استقلاليته، وبعيداً عن الضغوط التركية، والتي ترسم سياساتها وفقاً للتنسيق مع الروس. وبالتالي، يعمل "الائتلاف" مع النظام، عبر ذلك التنسيق. استقلاليته مرتبطة بخروج جسده الأساسي من تركيا، وهو ما أشير إليه بالذهاب إلى أوروبا من قبل. في سياق التنسيق التركي الروسي، ليس لـ "الائتلاف" أي وجود، وعكسه النظام، وإن كأداةٍ سياسية، حيث هو من شرعن وجود الروس، وهو من يضمن تطبيق الاتفاقيات والمعاهدات التي وقعت معه. ولهذا الاعتبار بالذات، لن يتخلى عنه الروس أبداً، وبالتالي إجراء انتخابات 2021، وشرعنة الاتفاقيات، ستكون مسألة غير قابلة للتراجع عنها في المستقبل. ودور الائتلاف بالمشاركة في الانتخابات يكمن هنا، أي شرعنة الوجود الروسي.
سابعاً، تؤكد السياسة الأميركية، وقد وصلت سورية إلى رسم شبه نهائي للنفوذ، ضرورة العودة إلى القرارات الدولية، واعتبار "قسد" شريكة في أي مفاوضات مستقبلية، وهي تمثل مصالحها. وبالتالي، هناك ضرورة لتنسيق الجهود الدولية بين أميركا وتركيا وروسيا، فهل تتسع الرؤية الروسية الضيقة، وتبتعد عن أوهامها أن الأميركان سيغادرون سورية، وأن "قسد" سيتم شطبها!
هنيئاً للنظام بمعارضاتٍ كهذه؛ فكما هو قراره ليس بيده كذلك هي. أما أفق تسوية الوضع السوري، وبغياب السوريين، نظاماً ومعارضاتٍ، فمتعلق بالتوافقات بين تركيا وروسيا وأميركا أولاً، ثم إيران وإسرائيل، فهل اقتربت الطبخة السورية من الاستواء؟ مع الرئيس الأميركي المرتقب، جو بايدن، ربما ستكون هناك توافقات كبرى هنا وهناك. وقبل وصوله إلى الحكم، ربما تتحرّك روسيا، وتفرض حلاً سياسياً، تستقبله به حينما ينتقل إلى البيت الأبيض!
الاحتمالات بأكملها قابلة للتحقق، بما فيها احتمال غياب أي تغيير في السياسات الدولية إزاء الوضع السوري، وترسيخ مناطق النفوذ أكثر فأكثر، والخطورة أن يصل ذلك إلى مرحلةٍ يقارب فيها التقسيم، ولن يناله، ولكن ربما التفتيت، وهنا الطامة الكبرى.