هنا في طرابلس

13 ديسمبر 2025

مشهد من عاصمة ليبيا طرابلس (22/9/2025 فرانس برس)

+ الخط -

لم يكن معقولاً، ولا مقبولاً ربما، أن نغادر طرابلس، نحن زوّارها ضيوف ملتقى أيامها الإعلامية، من دون أن نسعَدَ بسماع المالوف الليبي، من أهل غنائه وعازفيه ومُنشديه، فكان لنا هذا في سهريةٍ بديعةٍ، في ساحة القوس في المدينة العتيقة في طرابلس، بعد عشاءٍ من المطبوخ الليبي الشهيّ (وإنْ ثمّة حرارة زائدة فيه)، في مطعم قريب، بدعوةٍ كريمةٍ من مضيفينا في وزارة الاتصال (والشؤون السياسية). وأن تُنصتَ للمالوف في بلده وفي أجواء ليبية خالصة، في مساءٍ دافئ، فشأنُك في هذا مختلفٌ عن إنصاتك له في بلدٍ آخر، وكنتُ قبل أزيد من ثلاثة عقود سمعتُه في عاصمتين عربيتين، بقيادة شيخ هذا الغناء وأحد أبرز أعلامه، المرحوم حسن عريبي، الذي تحمل فرقة ليبية اسمَه، وكثير مما سمعناه هنا، في داخل السور في طرابلس، من غنائِه في الأصل، أجاد فيها تلاميذُه، وقد أُخبرنا بأن محمّد عبد الوهاب أفاد من لحن أغنية "بعت المحبّة" في تلحينه أغنية أم كلثوم "دارت الأيام" (كلمات مأمون الشناوي).

كأننا ننجذب إلى المدن العتيقة في مدن عربية عديدة (فاس، تونس، طنجة، وهران، دمشق، ... ) بدافع التخفّف من الجِدّة المتدافعة حواليْنا، وفي عيشنا. البيوت هنا أبوابها خضراء، الصنّاع والحرفيون في دكاكينهم الصغيرة مشغولون بما هم فيه، محلّات الألبسة التقليدية والمصنوعات الجلدية والنحاسية وغيرها ترحّب بزوّارها. كل هؤلاء وغيرهم، في داخل السور، ومعهم سكّانٌ يقيمون في بيوتهم التي أرجّح أنها فسيحةٌ بمحبّة بعضهم بعضاً فيها، فلا تصيرُ ضيّقة كما هي ضيّقةٌ الزقاقُ الطويلة التي تظنّها لا نهايات لها. أطفالٌ وصبايا وشيوخ وشبّان يمرقون. ونحن العابرون بينهم فيما عيونُنا تتفرّج وتنتقل في هذا الضيق في الممرّ.

المدينة العتيقة على كتف البحر، وطرابلس مدينةٌ تنبسط على شاطئ طويل. وعلى ما دوّن مؤرّخون، اشتُهرت في قديمها بمينائها الذي كان يجعلها واحدةً من أغنى المدن. وقد استُهدفت في غزواتٍ وحروب عديدة، من الإسبان والفرنسيين (قبل الطليان) وغيرهم، بل إن حرباً نشبت مع الولايات المتحدة في السنوات الخمس الأولى من القرن السابع عشر. ويُلفت في الأثناء أن رحّالةً ومستشرقين وقناصل ودبلوماسيين كتبوا عنها، ودوّنوا عن معالمها، وناسها (اهتمّوا باليهود فيها!). وفي الوسع القول إن ثمّة مكتبةً "طرابلسية" من نصوص هؤلاء تستحقّ مطالعاتٍ فيها، من الغرائب أن فيها أوصافاً لطرابلس مُبهرة، وأخرى يبخّس منها، وفي فتراتٍ متزامنةٍ أو متقاربة، ما يستثير سؤالاً بشأن عيونهم، ما إذا كانت تريد أن ترى ما تريد أن ترى ولا تريد أن ترى ما لا تُريد أن تراه (عذراً لهذا اللغو).

لن أفعل ما فعل أولئك وأولئك، إنما أقول إن طرابلس استحقّت ممن أقاموا في الحكم فيها أن تكون على غير ما هي عليه. ثمّة وداعةٌ في الناس عالية، وسخاءٌ في مشاعر الودّ والسماحة. وثمّة بحرٌ شفيفٌ ويعطي المدينة هناءة بال، وثمّة حدائقُ ومتنزّهاتٌ للتسرية، وثمّة شوارعُ في اتّساع. ولكن شعوراً يبقى فيك بأن ثمّة ما هو ناقصٌ هنا، ثمّة أناقةٌ غائبةٌ بعض الشيء، البهاء الواضح هنا في حاجةٍ إلى أن يصير على جاذبيّةٍ ما. لا تنكتب هذه الانطباعات (أو الارتسامات؟) الأولى، والمرتَجلة في كيْفٍ ما، إلا عن بالغ الحبّ الذي احتلني تجاه المدينة التي أستكشفها في زيارتي الأولى هاته بعين المأخوذ بغوايةٍ بها، سرعان ما تشدُّك إلى تفاصيلها، والأهم إلى ناسها، بل أيضاً إلى عساكرها غير القليلين الموزّعين في شوارع وميادين وزوايا عديدة، تلقاهم على خير ما يكون العون.

زار طرابلس رحّالة ألماني، اسمه ناختيجال، في سنة 1869، ثم كتب إنه لمّا اقترب منها، "بدأت تكشِف عن مفاتنها أمام عيوننا". وكان سابقُه الأميركي، جلين تاكر، قد وصف طرابلس في 1800 بأنها "مدينة السماء الصافية على الدوام"، و"المدينة ذات النسيم العليل وهبّات البحر المنعشة وقت الأصيل من أيام الخريف وفي فصل الربيع المزهر". وتالياً، في 1914، كتبت الصحافية البريطانية إيثيل براون تصف منظر طرابلس من البحر "صورةً ظلّيةً رائعة وقوية على الضوء الذي تنبعث منه الحرارة"، وقبلها كتب الأميركي تشارلز ويلنغتون، في 1904، إن "المدينة تبدو للقادم نحوها من البحر كأنها ترتدي برنوساً أبيض، تقع على واحةٍ في طرف الصحراء، وتضع رجليْها على الأمواج المتكسّرة عند شواطئها"... أما أنا فأكتب في خواتيم 2025 إنني نزلت دفئاً لا أحلى ولا أصفى في طرابلس، وسُررتُ عظيم السرور بشبابها وبكثيرين من ناسها، وسُعدتُ بإنصاتي، في ظلال عتاقتها، للمالوف الليبي، وأكلتُ من أطايب طعامها ما لن يُنسى...

معن البياري
معن البياري
رئيس تحرير "العربي الجديد"، كاتب وصحافي من الأردن، مواليد 1965.