هنا الخلافات العربية من فرنسا

هنا الخلافات العربية من فرنسا

05 سبتمبر 2021
الصورة
+ الخط -

حرّرتُ، قبل سنوات بعيدة، دراسة حالة إذاعة فرنسية أطلق مشروعها الجنرال شارل ديغول باللغة العربية، للتوجه إلى منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، حيث لفرنسا مصالح تاريخية مع الدول التي كان عدد لا بأس به منها قد تعرّض إما لاستعمار الجيوش الفرنسية ومستوطنيهم أو لمجرد الحماية أو الانتداب. وكان هدف الرئيس ديغول آنذاك إحداث تغيير في العلاقة، بحيث تنتقل من علاقة استعمار أو إخضاع إلى علاقة شراكة، واستثمار ثقافي، وسياسي، واقتصادي. وقد تردّد خبراء الإعلام الفرنسيون حينها في اختيار عنوانٍ لهذه الإذاعة، فمنهم من مال إلى أن تكون "صوت باريس أو فرنسا" بصراحة ووضوح، حتى تبدو أداة إعلامية رسمية بيد الحكومة الفرنسية، ومنهم من مال إلى تفضيل تسمية بعيدة عن العاصمة وعن الرسمية وتحمل صيغة أكثر تجارية أو/ وحيادية. وقد استطاع أهل الرأي الثاني تغليب وجهة نظرهم، فاختارت الدولة الفرنسية استئجار علامة تجارية تحت مسمّى "إذاعة مونت كارلو". وقد ظهرت الإذاعة المرغوبة من ديغول بعد وفاته، وبدأت العمل في بداية السبعينيات من القرن الماضي، انطلاقا من استوديوهات في إمارة موناكو، قبل أن تنتقل إلى باريس.

برز موقف غريب للدولة الفرنسية ترجمه الامتناع عن بثّ برامج إذاعة مونت كارلو في الداخل الفرنسي، على الرغم من وجود ملايين من السكان من أصول عربية

واجهت هذه الإذاعة، في بداية انطلاقتها، منافسة قوية من إذاعة لندن بالعربية التي انطلقت في خمسينيات القرن الماضي، وتميّزت بالجدية المفرطة في العقود الأولى من تشغيلها. في حين أن الإذاعة الفرنسية سعت إلى زيادة جرعة المنوّعات والروح الشبابية. وتمخضت المنافسة بين الأسلوبين عن بروز لغتين إعلاميتين سياسيتين متمايزتين، فصار خطاب الشباب المتحرّر من القواعد اللغوية والجدية الإخبارية لغة معتمدة لإذاعة مونت كارلو. وفي المقابل، تميّزت الإذاعة البريطانية بجدّيةٍ مغرقةٍ في الالتزام بالقواعد والتنميط التعبيري. ويمكن اعتبار أن الإذاعتين قد ترجمتا القطيعة النسبية التي انطلقت بين جيلين من البشر المهتمين بالشأن العام، ليس سياسيا فحسب، بل فنياً وثقافياً أيضاً، فصار جيل الآباء ينتقد جيل الأبناء إن هم تكلموا أمامهم، بسبب تبنّيهم خطابا خفيفا يشابه مونت كارلو. وما كان من الأبناء إلا مواجهة جدّية لغة الأب في تحليلاته بالتعرّض إلى تأثره بأسلوب إذاعة لندن.

ومن حيث المحتوى، على العكس من رغبة المؤسّسين الفرنسيين أن تحمل إذاعتهم رسالة تحريرية واضحة لنقل قيم الجمهورية الخامسة وثقافة فرنكوفونية تُعيد الارتباط بمنطقة جغرافية مترامية، عزلتها نضالات الاستقلال والتحرّر عن فرنسا، فقد تنوّعت الرسائل الإعلامية بتنوّع العاملين العرب في الإذاعة. وبضياع الخط التحريري، على العكس من الإذاعة البريطانية، فقد قامت مثلاً القوى المختلفة في المشهد اللبناني الذي شهد حرباً أهلية طاحنة بين عامي 1975 و1990، بعكس الخلافات اللبنانية/ اللبنانية على عملهم. وصار من الصعب التعرّف على الهوية الفرنسية للإذاعة ما عدا برامج تعليم اللغة. وقد برز موقف غريب للدولة الفرنسية ترجمه الامتناع عن بثّ برامج هذه الإذاعة في الداخل الفرنسي، على الرغم من وجود ملايين من السكان من أصول عربية، فأقيم برج البثّ في جزيرة قبرص.

لكل الدول الغربية الأساسية تقريباً، إضافة إلى روسيا والصين، قنوات إخبارية بالعربية

مع تطوّر تكنولوجيا الإعلام وانتقال التلفزة إلى البث الفضائي، ضعف من جهة دور الإذاعات الأجنبية الموجهة إلى العالم العربي، ليتعزّز الحضور العربي الإعلامي للدول الغربية عبر محطات إخبارية فضائية بالعربية. وفي أيامنا هذه، صارت لكل الدول الغربية الأساسية تقريباً، إضافة إلى روسيا والصين، قنوات إخبارية باللغة العربية، تتفاوت في مستواها التحريري، على الرغم من تأثر معظمها بالتوجهات الإعلامية لبلد البث. وبعدما انتظر الباحثون في الإعلام والتواصل أن يتعلّم الفرنسيون من تجربة فشل إذاعتهم العربية النسبي، بتقديم محتوى تحريري يتماشى مع حرية التعبير وتنوّع الرأي في المشهد الفرنسي، وفتحها المجال لتصفيات حسابات عربية/ عربية عكست تخبّطا بنيويا، فقد أحبط تأسيس قناة فرنسا 24 بعدة لغات، منها العربية، انتظار هؤلاء المهتمين. وقد ظهر بدايةً أن أقصى طموح العاملين فيها الانتقال لاحقاً إلى فضائية ممتلئة مادياً في دول الخليج العربي، فابتعدوا عن بذل الجهد المهني المطلوب. يُضاف إلى ذلك غياب سياسة تحريرية فرنسية، واستمرار الهيمنة العربية ـ العربية بجانبها السلبي، الحامل للخلافات الإقليمية والعقائدية. وقد أبرزت تغطية الثورات العربية الأصيلة، كما المضادّة، ضعفاً مهنياً أُضيفت إليه حسابات سياسوية، ساهمت في انتقاء المشرفين على البرنامج العربي، فبعدما هيمن تيار معادٍ لثورات التحرّر العربية عموماً أو مهادن للأنظمة الاستبدادية، دوناً عن سياسة فرنسا الخارجية، فقد وصل إلى سُدّة الإدارة من يساند علناً، وبتغريدات وتصريحات، كل الثورات المضادّة التي إما تمت ترجمتها بانقلابات عسكرية كمصر أو دستورية كتونس. وبالنسبة للمتلقي الذي يعتبر أن القناة تعكس وجهة النظر السياسية للدولة الفرنسية، من دون إشراف مباشر وفجّ، صار من المحتمل بشدّة وقوف هذه الدولة إلى جانب الانقلابات وعودة الاستبداد بأشكاله، وحرمان شعوب المنطقة من تطلعاتها.

عندما قرأ دراستي عن الإذاعة أحد القائمين على هذا الحقل سياسياً، أكد لي في حينها النية إلى إجراء تصحيح مؤسساتي. واليوم، يبدو أن هذا التصحيح لم يقع، وعلى العكس، امتدت السلبيات من أمواج الإذاعة إلى شاشات التلفزة.