هل ينجح بايدن في إصلاح ما أفسده ترامب؟

13 نوفمبر 2020
الصورة
+ الخط -

في البرنامج الانتخابي لجوزيف بايدن، "الرئيس المنتخب" الآن مع وقف التنفيذ إلى حين، نجد تركيزاً كبيراً على ضرورة استعادة الولايات المتحدة ما يصفها بـ"القيادة الأخلاقية"، إذا ما أرادت أن تستعيد قيادتها العالمية ومصداقيتها بين حلفائها وخصومها على السواء. أيضاً، نجد تعابير أخرى في البرنامج، مثل: "إصلاح ديمقراطيتنا وتنشيطها"، وإظهار "قوة النموذج" الأميركي، وليس "نموذج القوة" فحسب. كُتِبَ ذلك البرنامج أشهراً قبل الانتخابات الرئاسية الأميركية التي جرت قبل عشرة أيام، وفاز فيها بايدن وخسرها الرئيس دونالد ترامب، ولكن بعض أفكاره وفقراته وتعابيره تبدو وكأنها أعدت لتوصيف هذه اللحظة الفارقة في التاريخ الأميركي المعاصر، أين يرفض أحد المُرَشَّحَينِ الأساسيين أن يعترف بالهزيمة. المشكلة أن هذا المرشح الخاسر يشغل منصب رئيس الولايات المتحدة حتى العشرين من يناير/ كانون الثاني المقبل، وجرى العرف أن يشرف على الانتقال السلمي للسلطة من إدارته الذاهبة إلى الإدارة القادمة، ويرتبط هذا بالأمن القومي للبلاد ومصالح العباد.

تمارس أميركا الأستاذية على العالم، في حين أنها في حاجة الآن إلى من يذكّرها بالتزام القيم التي تحضّ الآخرين عليها

لا تقف حدود المفارقة عند ترامب الشعبوي الذي يتصرّف بطفولية وأنانية، ولا شك أنه يعاني من أمراض نفسية كتب حولها كثيرون، وتحدّث قريبون منه عنها، بل إنه يجد تأييداً وتواطؤاً من أغلب الزعماء الجمهوريين في الكونغرس وفي إدارته. يعلم هؤلاء أنه خسر، وهو الأمر الذي يؤكّده مسؤولو انتخابات جمهوريون، كما في ولاية جورجيا، ولكنهم يعلمون أيضاً حجم القاعدة الشعبية الواسعة التي يتمتع بها، دع عنك امتلاكه الحزب الجمهوري عملياً، ما يعني أن من سيتحدّاه قد يجد نفسه عرضة لسخطه وتحريضه، وقد ينتهي بهم الأمر خارج مناصبهم التي انتخبوا إليها. وتفيد نتائج التصويت الشعبي، حتى صباح أمس الخميس، بأن ترامب حصل على أصوات أكثر من 72 مليون ناخب، في حين حصل بايدن على أصوات أكثر من 77 مليوناً. وإذا أخذنا في الاعتبار أن أغلب مصوّتي ترامب خرجوا يوم الانتخابات للاقتراع شخصياً، في حين أن نسبة كبيرة من قاعدة بايدن الانتخابية اقترعت مسبقاً عبر البريد، وإذا ما علمنا أن الأصوات التي حصل عليها ترامب تفوق التي حصل عليها باراك أوباما في انتخابات عام 2008، والتي زادت على 68 مليوناً، لتكون الأعلى في تاريخ الانتخابات الرئاسية الأميركية حتى انتخابات الأسبوع الماضي، حينها نفهم درجة حماسة قاعدة ترامب وتأثيره السحري عليها للوقوف في طوابير مكتظة ساعات طويلة في خضم جائحةٍ تتفشّى في الولايات المتحدة. 

يدرك المسؤولون الجمهوريين ذلك، ومن ثمَّ فإن أغلبهم قد اختار أن يقلب القاعدة الذهبية "البلد قبل الحزب" رأساً على عقب، لتكون "الحزب قبل البلد"، بل "الأنا قبل البلد". وهكذا تجد الولايات المتحدة نفسها اليوم هدفاً للغمز واللمز والسخرية من خصومها الذين مارست عليهم الأستاذية دوماً، فهي ليست أحسن حالاً من الصين أو روسيا أو كوريا الشمالية أو فنزويلا أو إيران، بل قد يحق لهم أن يزعموا إنهم متقدّمون عليها، فهم متسقون مع ذواتهم، إذ لا يدعون أمراً ويمارسون نقيضه. طبعاً، المسألة ليست بهذا التبسيط، فأميركا تبقى دولة مؤسسات، وفيها تدافع حقيقي، وليس في مقدور ترامب أن ينقلب على نتيجة الانتخابات بسهولة، وإنْ لم يعن هذا انعدامه تماماً في حال وقع تواطؤ، مستبعد جداً، من الولايات التي يسيطر الجمهوريون على مجالسها التشريعية وسايرتهم المحكمة العليا في ذلك. على أي حال، هذا حديث آخر، وهو أقرب إلى الاستحالة.

بايدن أمام تحدٍّ كبير في سعيه إلى استعادة ما يصفها بـ"القيادة الأخلاقية" في العالم

في سياق المفارقات أيضاً، ما صرح به وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو، من على المنصة الرسمية للوزارة، يوم الثلاثاء الماضي، بأنه "سيكون هناك انتقال سلس للسلطة إلى الإدارة الثانية لترامب"! وجه المفارقة هنا لا ينحصر في أنه ينكر نتيجة انتخاباتٍ شهد على نزاهتها مسؤولون مستقلون وجمهوريون وديمقراطيون، بل إنها تصدر عن شخصٍ لطالما وبخ هو نفسه دولاً وأنظمة أخرى لا تحترم إرادة مواطنيها في الانتخابات. قبل يوم واحد من تصريحه هذا، أصدرت وزارة الخارجية الأميركية بياناً باسم بومبيو يحضّ فيه السلطات في ميانمار على "ضمان جدولة الأصوات وحل الشكاوى بطريقة شفافة وذات مصداقية"، محذّراً إياها من أن "الولايات المتحدة ستواصل مراقبة العملية الانتخابية عن كثب". أبعد من ذلك، كان بومبيو قد فرض عقوبات في اليوم الذي صدر فيه تصريحه عن ميانمار على رئيس نيكاراغوا السابق، أرنولدو أليمان، لأنه "قوّض المؤسسات الديمقراطية". 

في القرآن الكريم نجد توبيخاً لمن يأمرون الناس بشيء ولا يطبقونه على أنفسهم: "أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ" (البقرة: 44). وفي قصيدة لأبي الأسود الدؤلي يقول: "لا تنهَ عن خلُقٍ وتأتيَ مثلَه/ عارٌ عليك إذا فعلت عظيم". هذا هو حال أميركا اليوم التي عرّاها شعبويٌّ متسلط ونرجسي مصاب بأعطاب نفسية كثيرة، تمارس الأستاذية على العالم، في حين أنها بحاجة الآن إلى من يذكّرها بالتزام القيم التي تحض الآخرين عليها. سيكون بايدن أمام تحدٍّ كبير في سعيه إلى استعادة ما يصفها بـ"القيادة الأخلاقية" في العالم، وإظهار "قوة النموذج" الأميركي، بغض النظر، اقتنعنا بأنهما قائمان أصلاً أم لا.