هل يقتلنا المليار الذهبي؟

05 نوفمبر 2020
الصورة
+ الخط -

منذ اجتياح وباء كورونا دول العالم، والمتحضرة منها على وجه الخصوص، والحديث عن الجائحة يزداد ويتشعب بين مصدِّق ومكذِّب ومتكهن.. وأخذ سباق شركات الأدوية الكبرى في إنتاج اللقاح، ليبدأ المحللون بالقول إن وراء كورونا غايات اقتصادية ومعارك حامية، وإن "ما بعد كورونا ليس كقبله". وبالفعل، أخذت اقتصادات بلدان كثيرة تتراجع جرّاء التقيد بقواعد الوقاية من الفيروس وإغلاق معامل ومشاغل كثيرة في دول كثيرة. وقدّرت خسائر الاقتصادات الكبرى بمليارات الدولارات! وفي الولايات المتحدة الأميركية، وضع الساسة وباء كورونا في معادلة "الإنسان أم الاقتصاد؟". واستغل بعضهم ذلك في صراعاتهم ضمن الدولة الواحدة، وفيما بينها وبين الدول الأخرى، وأوشك الوباء أن يلعب دوراً في نتائج انتخابات رؤساء الدول.

ولكن أخطر ما حصل في أزمة كورونا سريان مجموعة فيديوهات عبر شبكات التواصل لأطباء متخصصين بعلم الفيروس، وعرفوا عن أنفسهم، ومهنتهم، ومطالعاتهم في هذا الميدان، منهم أميركان وإسبان وإيطاليون، ومن قوميات أخرى، وعبَّر بعضهم عن رأيه، على نحو فردي خاص، بينما أقام آخرون اجتماعات ومحاضرات، شاركت فيها جموع من الناس تعي وتدرك.. وأشار كثيرون إلى مبالغاتٍ تجرى لدى الحديث عن الفيروس، وأنه ليس كذلك، إذ لا يعدو غيره من الفيروسات التي شهدتها البشرية، وتغلبت عليها.. وذكر أن عدد الفيروسات المكتشفة يصل إلى 32 مليوناً، وطمأنوا المتلقين، إذ يمكن للوقاية المتقنة وحدها أن تبعد خطر الوباء، وأن غاياتٍ أخرى خلف ما يحصل من مبالغاتٍ وتهويل، وربطوا ذلك بالمؤامرة الكونية التي تقودها محافل الأثرياء في العالم، والغاية تخفيض عدد سكان الكرة الأرضية التي باتت تشكل عبئاً على الحياة، وعلى أكثر سكانها ثراءً، وغنى، وتسلطاً في الوقت نفسه.. وزاد في الطين بلة أن الصينيين نشروا خبراً عن توصُّل خبراء متخصصين في مركز الطب التناسلي في مستشفى تونغجي في مدينة ووهان الصينية إلى استنتاج يفيد بأن "فيروس كورونا الجديد يمكن نظرياً أن يلحق أضرارا بقدرة الرجال على الإنجاب". وثمّة من تحدّث عن زرع شريحة تحت جلد الإنسان، لتوجيهه والتحكّم بمصيره، وحذَّر من خطورة ذلك. 

يذكِّر تفشي وباء كورونا بنظرية "المليار الذهبي" العنصرية، إن موارد الأرض لا تستطيع تلبية سوى حاجات مليار نسمة من البشر

كل ما جرى ويجري يأخذ إلى نظرية مالتوس السكانية (توماس روبرت مالتوس 1766- 1834)، وهو باحث سكاني واقتصادي وسياسي إنكليزي. قال بضرورة العمل للحدّ من النمو السكاني الذي لا يتوافق مع التنمية الغذائية. وقد اعتُمدت النظرية فترة طويلة من الاقتصاديين في العالم. و"أدّت إلى كوارث إنسانية، إذ اتّخذت مبررًا للإبادة الجماعية لشعوبٍ كثيرة، وأجبر أبناء بعض العرقيات المضطهدة، كالسود والهنود في أميركا على إجراء التعقيم القسري"، ويقول آلان تشيس (موسيقي ومؤرشف أميركي) في كتابه "تركة مالتوس" إن 63678 ألف شخص قد جرى تعقيمهم قسراً فيما بين عامي 1907 و1964 في الولايات المتحدة الأميركية. وجرت هناك مئات آلاف من عمليات التعقيم التي كانت طوعيةً في الظاهر، غير أنها قسرية، إذ جرت عنوة في واقع الحال. 

كما يذكِّر تفشي وباء كورونا بنظرية "المليار الذهبي" التي أخذ تداولها يجرى منذ أواخر القرن العشرين، وتقول هذه النظرية العنصرية أيضاً إن موارد الأرض لا تستطيع تلبية سوى حاجات مليار نسمة من البشر، ليعيشوا بمستوى دخل يوازي ما هو عليه الحال في الدول الغنية. وبالتالي، فإن نمط الاستهلاك المفرط، والرفاهية العالية التي يتمتع بها سكان الدول الغنية، لا يمكن توفيرهما لباقي سكان العالم بسبب محدودية الموارد على كوكب الأرض. 

وثمّة تصريحات كثيرة تشير إلى كوارث فناء كثيرة تهدّد وجود الملايين من البشر. وجديدها ما قاله بيل غيتس (مبرمج أميركي وصاحب شركة مايكروسوفت)، في مؤتمر ميونيخ 2017 للأمن، "على البشرية أن تستعد لوباء".

أين نحن العرب من هذا العالم الذي تزداد الهوة بيننا وبينه اتساعاً.. والغريب أننا، أو بعضنا على الأقل، راضٍ عن نفسه تماماً

ما يهمنا من كل ما تقدَّم هو أين نحن العرب من هذا العالم الذي تزداد الهوة بيننا وبينه اتساعاً.. والغريب أننا، أو بعضنا على الأقل، راضٍ عن نفسه تماماً. بل لعلَّه يعادي البلدان المتحضرة ومنجزاتها، ويشكِّل هؤلاء الراضون/ المعادون وجهاً آخر للحاكم المستبد الأكثر رضى، إذ هو يتمتع بمباهج الحضارة، ومفرداتها من دون محاولة نقلها إلى بلاده، فهو يخشى حتى المحاولة فقد تُفقده كرسي الحكم . فالنقلة الحضارية المتصوَّرة، تعني، فيما تعنيه، التنمية الشاملة التي تشترط تحرير عقل المواطن وتفتيحه من خلال مساهمته في عملية بناء الدولة التي لا بد من أن تقوم على أساس من حرية الفرد، ووفق مبادئ الديمقراطية التي بدونها لا يمكن قيام مؤسسات للدولة والارتقاء بالمواطن، والكشف عن إمكاناته، إظهاراً لمكامن إبداعه! فالعلاقة بين الديمقراطية وبناء مؤسسات الدولة والتنمية بشقيها، الاقتصادي والبشري، علاقة جدلية إيجابية..

إلى متى تبقى شعوب المنطقة خاضعةً لهذا التهميش الذي يمارسه المليار الذهبي، بتقدمه العلمي والتكنولوجي؟

وعوداً على بدء تتالى الأسئلة! فإذا كانت كورونا قد تسبّبت بموت ما لا يقل عن مليون إنسان في العالم، يعاني معظمهم أمراضاً تساعد الفيروس على الفتك في الجسم، وتسببت النظريات العنصرية بقتل مئات الألوف، وتعقيم مثلهم، فإن البلاد العربية التي هبَّت فيها انتفاضات شعبية، هدفها مقاربة لأبجديات الحضارة، قد جوبهت بردودٍ وحشيةٍ بفعل الديكتاتوريات أولاً، وبمساعدة بعض العرب الذين ما إن سمعوا كلمة حرية أو ديمقراطية حتى أخذت كراسي حكمهم بالاهتزاز، ففقدوا توازنهم، ما دفعهم إلى زهق أرواح اثنين إلى ثلاثة ملايين كائن بشري، وتدمير اقتصادات، وبنى تحتية، وتشريد أكثر من عشرة إلى خمسة عشر مليون إنسان من العراق وسورية واليمن وليبيا، وحتى لبنان، كثيرون من هؤلاء يملكون شهادات عالية وخبرات متعدّدة..! ولم يكتفوا بذلك، بل قاموا على أنقاض ذلك كله إلى إسرائيل العنصرية، ممثلة ذلك المليار الذهبي وشريكته، مقدّمين أوراق اعتمادهم وأموالهم وذلهم تحت ما يسمّى التطبيع. 

السؤال الأهم: إلى متى تبقى شعوب هذه المنطقة خاضعةً لهذا التهميش الذي يمارسه المليار الذهبي، بتقدمه العلمي والتكنولوجي، وباعتماده على الاستبداد السياسي وعسكره وممتلكاته، وعلى عقلية التخلف والتطرف المتولدة عن سياسات التجهيل التي يتبعها؟ أم إن الانتفاضات التي عرفت بالربيع العربي ماضية نحو غاياتها، وما هذه الدماء التي تزهق إلا عرابين فداء لنهضة قادمة، ولأجل كلمة مقدّسة اسمها الحرية؟