هل يفي بايدن بوعوده تجاه حقوق الإنسان؟

11 نوفمبر 2020
الصورة
+ الخط -

 

طوال حملته الانتخابية، كرّر الرئيس الأميركي المنتخب، جو بايدن، في أكثر مناسبة، التزامه بالدفاع عن حرية الرأي والتعبير في العالم. وأكّد أكثر من مرة أنه سينهج سياسة أكثر صرامةً تجاه الديكتاتوريات العربية، عبر الضغط عليها لاحترام حقوق الإنسان في بلدانها، وسيعاقب الدول المتورّطة في جرائم حرب اليمن، بالحدّ من صفقات الأسلحة معها. وتوعد بالاسم العربية السعودية التي تقود هذه الحرب، وحمّل حاكمها القوي، محمد بن سلمان، مسؤولية قتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي، فهل سيعطي بايدن الأولوية لالتزاماته بقضايا حقوق الإنسان في منطقتنا العربية؟

المعروف عن الرئيس الجديد للولايات المتحدة حساسيته الكبيرة تجاه موضوع حقوق الإنسان، وفي مقدمة هذه الحقوق حرية الرأي والتعبير، وقد سبق له عام 2011، بصفته نائب الرئيس آنذاك، أن وجّه رسالة إلى العالم العربي، مفادها أن الدول التي تقيد حرية التعبير لا يمكنها الازدهار، لأنها لا تَسمح للناس التفكير بحرية. ومما قاله بايدن، في تلك الرسالة، إن الدول التي تجعل الإنترنت مفتوحا أمام الأعمال التجارية، ومغلقا أمام حرية التعبير، ستجد نفسها أمام طريقٍ مسدود، لأنه "لا يوجد إنترنت سياسي منفصل، وإنترنت للأعمال التجارية، وإنترنت اجتماعي.. هناك فقط الإنترنت.". كانت تلك إشارة واضحة منه، في عنفوان "الربيع العربي"، إلى القيود التي كانت تضعها حكومات عربية كثيرة للتضييق على حرية التعبير على الإنترنت.

ما كان يحذّر منه بايدن، قبل نحو عقد، باعتباره خطرا يهدد حرية التعبير، أصبح اليوم أمرا واقعا في أكثر من دولة عربية جعلت من الإنترنت أداة لمراقبة مواطنيها وقمعهم وعقابهم

وما كان يحذّر منه بايدن، قبل نحو عقد، باعتباره خطرا يهدّد حرية التعبير في المنطقة العربية، أصبح اليوم أمرا واقعا في أكثر من دولة عربية جعلت من الإنترنت أداة لمراقبة مواطنيها وقمعهم وعقابهم، واستغلت التطور التكنولوجي في تقنيات الاتصالات للتجسس على الحياة الخاصة للناس تعدّ عليهم أنفاسهم. وساهمت إدارة الرئيس المهزوم، دونالد ترامب، بتغاضيها عن الانتهاكات التي كانت ترتكبها عدة أنظمة عربية في حق شعوبها، في تمادي تلك الأنظمة في انتهاكاتها وفي احتقارها وإذلالها لشعوبها. ووفّرت الغطاء السياسي لأنظمة خليجية بعينها، لها القدرة على الدفع نقدا، لتصَدِّر قمعها وجرائمها إلى دول عربية تنخرها الحروب، أو تعبث بمصيرها ديكتاتوريات عسكرية رثّة. 

حتى يعطي بايدن مصداقية لخطاب وعوده والتزاماته، في أثناء الحملة الانتخابية، في مجال احترام حقوق الإنسان عالميا، عليه أن يتخلّص من ظل أوباما

وعلى الرغم من الفرحة الكبيرة التي شعر بها المدافعون الملتزمون بالدفاع عن حقوق الإنسان، جرّاء السقوط المدوي لترامب وسياساته العنصرية، إلا أن انتخاب بايدن لا يعني، بالضرورة، بداية عهد جديد لهذه الحقوق في الدول العربية، لأن الوعود والأوليات والالتزامات التي قطعها على نفسه، طوال حملته الانتخابية، ستجعل إدارته موزعةً بين أكثر من اهتمام، وستعطى الأولوية لترميم الشرخ الداخلي الكبير داخل المجتمع الأميركي الذي أحدثته سياسة الاستقطاب الحاد التي كانت تغذّيها نرجسية الرئيس المهزوم. وفي ظرفيةٍ زمنيةٍ صعبة، تتسم بتصاعد أزمة وباء كورونا وتأثيراتها الكبيرة على الاقتصاد وعلى حياة الناس، يخشى مراقبون كثيرون أن يتنازل بايدن عن كثير من وعوده باحترام حقوق الإنسان، وخصوصا في المنطقة العربية التي شهدت أكبر نكسةٍ لهذه الحقوق مع نجاح الثورات المضادّة التي قادتها أنظمة خليجية، مدعومة من ديكتاتوريات عسكرية فاشلة، وتحت غطاء رسمي من التحالف المطلق الأميركي الإسرائيلي. 

من أسقط ترامب وهزم سياساته العنصرية هو الشعب الأميركي. وعلى الشعوب العربية أن تتعلم الدرس

وحتى يعطي بايدن مصداقية لخطاب وعوده والتزاماته، في أثناء الحملة الانتخابية، في مجال احترام حقوق الإنسان عالميا، عليه أن يتخلّص من ظل رئيسه السابق باراك أوباما، وفك الارتباط مع إرث سياساته في الشرق الأوسط، خصوصا في ولايته الثانية. صحيحٌ أن إدارة أوباما، في ولايته الأولى، رحبت بثورات "الربيع العربي" في تونس ومصر، وهو ما بعث رسائل أخافت سلطوياتٍ كثيرة في المنطقة، سارعت إلى الإعلان عن إصلاحاتٍ لم تكن مرتقبة في ظل أنظمتها المهترئة، وضخ زياداتٍ في أجور الموظفين والعمال لم تكن منتظرة لشراء صمت شعوبها. ولكن أوباما، في ولايته الثانية، تردد كثيرا في معاقبة ديكتاتور مجرم وبائس، مثل بشار الأسد، عندما كان يقصف شعبه ببراميل النار والغازات السامة. ولم تتحرّك إدارته بقوة لإدانة الانقلاب العسكري الدامي في مصر، وما تلاه من قتل وتنكيل واعتقالات ما زالت مستمرة في صفوف أبناء الشعب المصري، وزكّت إصلاحاتٍ طفيفة وشكلية، في أغلب الحالات، كان الهدف منها تهدئة الشارع، والالتفاف على مطالبه بتقرير مصيره بنفسه.

أكّد بايدن أكثر من مرة أنه سينهج سياسة أكثر صرامةً تجاه الديكتاتوريات العربية

مع ذلك، لا يجب أن نفقد الأمل، فمجرد سقوط ترامب وسياساته العنصرية المعادية للحريات والحقوق، انتصار معنوى بالنسبة للمدافعين عن حقوق الإنسان أينما كانوا. وفي المنطقة العربية، للانتصار طعم مزدوج، انتصار يعلي من قيم حقوق الإنسان الكونية، وانتكاسة للأنظمة التي احتمت بديكتاتورها المفضل، للتمادي في انتهاك حقوق شعوبها، والتي ستجد نفسها مع الإدارة الأميركية الجديدة، إن هي أوفت بوعودها، مضطرة لإعادة النظر في سياساتها تجاه احترام حقوق شعوبها، وفي مقدمة هذه الحقوق حرية الرأي والتعبير. 

الكرة اليوم في ملعب الشعوب العربية، فمن أسقط ترامب وهزم سياساته العنصرية هو الشعب الأميركي. وعلى الشعوب العربية أن تتعلم الدرس، حتى لا تلدغ من الجحر مرتين. عليها أن تعتمد على نفسها، إذا أرادت أن تأخذ مصيرها بيدها، وعليها أن لا تنخدع بوعود الإصلاحات الشكلية وخطابات الانفراج السياسي والانفتاح على الحقوق والحريات التي ستنتعش بورصتها مجدّدا في قاموس الخطابات الرسمية العربية، وفي تقارير النخب الخائنة لمبادئها ومواقفها، لأن الهدف من كل هذه "المناورات" التي ستنطلق كرنفالاتها قريبا سيكون مجرّد شراء وقت إضافي، تستفيد منه أنظمتها السلطوية لتمديد عمرها وتغيير جلدها إلى حين!.