هل يفلت العراق من قبضة إيران؟

هل يفلت العراق من قبضة إيران؟

19 يناير 2022
+ الخط -

كتب يسأل: "ثمّة تداعيات حاضرة على الساحتين، الدولية والإقليمية، ستكون لها مردوداتها اللاحقة على العراق وإيران. هل ترى في هذه التداعيات ما يخدم سعي العراق إلى الإفلات من قبضة إيران، وإلى أي مدى يمكن تحقيق نوع من "الاستقلالية" في القرار العراقي، خصوصاً أنّ الأميركيين لا يبدو أنّهم راحلون فعلاً، وأنّهم باقون هنا إن بهذه الصيغة أو بتلك؟".

يقول الفرنسي بول فاليري إنّ السياسة هي منع الناس من الاهتمام بما يخصّهم، وإجبارهم على تقرير ما يجهلون... ربما ينطبق علينا هذا القول أكثر من غيرنا، حيث اعتاد ساستنا أن يقرّروا نيابة عنا، ويعملوا على ترويضنا على القبول بما يقرّرونه، وهذا ما يحدث معنا اليوم. وبغضّ النظر عما يطلقونه من شعاراتٍ لا شيء يوحي بأنّ أحداً من ساستنا يفكّر، حتى مع نفسه، بالخلاص من قبضة إيران في المدى المنظور، بل ربما يعتبر بقاء هذه القبضة ضرورياً لبقاء سلطته وبناء مجده الشخصي، كما ليس ثمّة مؤشّرات عملية على أنّ حكومة بغداد القادمة، أغلبية أو توافقية، ستنهض بمهمة إنهاء أو على الأقل، تقليص سلطة الدولة العميقة التي صنعتها إيران في العراق، والتي أحد وجوهها تغوّل المليشيات في شتى ميادين الحياة العراقية، سواء منها تلك "المليشيات" التي يطلق عليها صفة "الولائية" التي ترتبط بالحرس الثوري الإيراني، وتتلقى السلاح منه وتتدرّب في معسكراته، لكنها تموّل من المال العراقي، أو التي تتخفّى تحت ستار "الحشد الشعبي"، وتزعم دفاعها عن الوطن قبل المذهب، وهي تسلك بذلك حالة ازدواجية تتيحها لها عقيدة "التقية" التي تدين بها.

اعتاد ساستنا أن يقرّروا نيابة عنا، ويعملوا على ترويضنا على القبول بما يقرّرونه

إذاً، ليس ثمّة جديد في الأفق، وهذا ما تريده طهران ووكلاؤها وتابعوها المحليون، وحتى في التداعيات الماثلة التي أفرزتها نتائج الانتخابات أخيرا، والتي قد يرى فيها بعضهم حالة انقسام في معسكر "الوكلاء"، فإنها لا تعكس تطوّرا حقيقيا في المواقف والسلوكيات باتجاه التغيير المنشود، فالكل متفقون على أن بقاء الهيمنة الإيرانية على العراق يسميها بعضهم "احتلالا"، هو الضامن الأكبر لبقاء "العملية السياسية" الحالية، ولسيطرة النفر الذي اعتمدته واشنطن، ومن بعدها طهران، لتحقيق استراتيجيات خاصة بهما، وحماية مصالحهما في المنطقة، ويجد الوكلاء والتابعون في هذا "التوافق" الشرّير طوق النجاة الدائم لهم.

وفي المقابل، ليس الأميركيون الذين كانوا المؤسّس الرئيس لهذا الوضع الهجين الذي أفرزته "العملية السياسية" الطائفية الماثلة في وارد الانسحاب الكامل من العراق، وكل ما فعلوه ويفعلونه يدخل في باب إعادة "ترتيب الأولويات"، بما تفرضه المتغيرات المتفجرة التي تسود العالم في القرن الجديد، حيث ينتقل الشغل الأساسي للماكينة الأميركية الى الصين التي شرعت تقتحم العالم اقتصاديا وسياسيا على نحوٍ غير مسبوق، وتخترق ساحات النفوذ الأميركي في أكثر من مكان، وكذلك كوريا الشمالية التي تعتبر من الدول التسع الأولى في العالم التي تمتلك قدراتٍ نوويةً فائقة، وتشكّل تهديدا لواشنطن ولحلفائها في المنطقة، ثم هناك طموح روسيا لاستعادة دورها في المشاركة في قيادة العالم، وتداعيات تحرّكاتها أخيرا تجاه أوكرانيا.

الكل متفقون على أن بقاء الهيمنة الإيرانية على العراق، هو الضامن الأكبر لبقاء "العملية السياسية" الحالية

في ضوء ذلك، ثمّة قراءة جديدة ينبغي أن يعتمدها العراقيون الذين يريدون استعادة الوطن، ومنهم فريق يمنّي نفسه بأنّ الأميركيين سيفعلونها في آخر المطاف، وسيقذفون وكلاء إيران خارج الحلبة السياسية، لتعود الأمور الى أبناء البلاد، وما يصفع هذه "الأمنية" ويردّها أنّ أميركا غزت العراق، ليس لبناء الديمقراطية فيه، كما تزعم، ولا لسواد عيوننا، وإنّما كان دفاعاً عن "إسرائيل" التي ظلّ العراق منذ استقلاله الأول عصياً عليها، كما أنّها أرادت السيطرة على بحيرات النفط وخزين المعادن الذي تتميز به بلادنا، وقد كلفتها الحرب أكثر من تريليونين من الدولارات، وخسرت فيها خمسة آلاف جندي إلى جانب جرح أكثر من اثنين وثلاثين ألفاً. وهي، من قبل ومن بعد، ليست جمعية خيرية تتصدّق على من أخنى عليهم الدهر. إنّها دولة كبرى لها مصالحها والتزاماتها ودورها في صنع العالم، والأجدى لنا، إذاً، أن نقرأ ما يدور من حولنا بعناية، وإلّا فسنبقى نراوح في مكاننا إلى ما شاء الله!

وبالمختصر المفيد، لم يجد السؤال المطروح إجابته العملية بعد، وعندي أنّ إفلات العراق من قبضة إيران كما هو إفلاته من قبضة أميركا، كلا الاحتمالين غير واردين، وواضح أنّ الظروف، وكذا المعطيات، غير جاهزةٍ لتحقيق أيّ منهما، وهو أمر مرّ ويستدعي الأسى، لكن "ظُنَّ خيراً ولا تسأل عن الخبر"!