هل يغرّد الجنوب السوري ثانية خارج السرب؟

12 ديسمبر 2020
الصورة
+ الخط -

أطلق نائب رئيس هيئة التفاوض لقوى الثورة والمعارضة السورية سابقاً، خالد المحاميد، في 27 الشهر الماضي (نوفمبر/ تشرين الثاني) تغريدة على حسابه في تويتر قائلاً: "حان الوقت ليظهر جسمٌ جديد يعبر عّن طموح وآلام السوريين بعيداً عن الأجندات الدولية والإقليمية ويستعيد القرار السوري ويدفع بالحل السياسي وفق القرارات الأممية." وأتبع ذلك بعد يومين، في إطلالة له عبر قناة العربية، بتوجيه انتقادات حادّة لأطراف عديدة في المعارضة السورية، متهماً إياها والنظام السوري بتعطيل جهود حل الأزمة السورية.

ولقراءة هذه التصريحات، ولمعرفة ما إذا كانت صادرة عن خالد المحاميد، واحدا من السوريين المهتمين بشأن بلادهم، أم هي صدىً لمشاريع جديدة بدأت تتبلور على الساحة الدولية لحل الأزمة السورية، علينا أن نحلل البنية المجتمعية التي يمكن أن يرتكز عليها المشروع الذي يطرحه الرجل، علّنا نجد إجاباتٍ عما يدور في الأذهان من أسئلة، ما يفرض علينا أن ننظر إلى خريطة توزع القوى المحلية في حوران، والتي يمكن للمحاميد أن يرتكز عليها لبناء مشروعه المذكور. كما علينا أن نرى الخريطة الخارجية، وإمكانية وجود روافع إقليمية أو دولية لهذا المشروع.

هل يكفي المشروع الذي طرحه خالد المحاميد الانطلاق من بقعة صغيرة في الجنوب، أم له أسس وروافع في باقي المناطق أيضا؟

منذ يوليو/ تموز عام 2018، تاريخ استرجاع قوات النظام السوري سيطرتها على الجنوب، بمساعدة حليفها الروسي وبموافقة دولية، برزت ثلاث مدن رئيسية في صراع البقاء وإثبات الذات في تلك المنطقة الحساسة. أولها درعا مهد الثورة، حيث كانت أعصى المدن على محاولات الاقتحام العسكري، فقد دارت على أطرافها معارك ضارية، حاولت خلالها قوات النظام اقتحامها بالقوة، ففشلت وتكبدّت خسائر فادحة. يتمتع خالد المحاميد بعلاقات قوية مع الفاعلين المحليين من أبناء درعا البلد، مسقط رأسه، ولعلّ أبرزهم ناصر المحاميد الملقب بـ"أبو شريف" وهو أحد القادة الميدانيين السابقين لما كان يعرف باسم "لواء التوحيد". وثانيها مدينة طفس في المنطقة الغربية، والتي قاتل أبناؤها بضراوة قوات النظام والمليشيات الإيرانية المساندة له، وأرغموها على التوقف عن محاولة الدخول بالقوة. ولخالد المحاميد علاقات قوية مع قادة سابقين وحاليين فيها، ولا تزال صلاته بهم قائمة بشكل مباشر أيضاً. ثالثها مدينة بصرى الشام، حيث يعتبر القائد السابق لقوات شباب السنة من الجيش السوري الحر، والقائد الحالي لقوات اللواء الثامن التابع للفيلق الخامس المدعوم روسياً، أحمد العودة، الرجل الأول في المدينة والمنطقة الشرقية كلها من المحافظة. في 25 مارس/ آذار 2015، استطاعت فصائل الجيش السوري الحر تحرير بصرى الشام من يد قوات النظام وحزب الله، وكان الفصيل الأكبر الذي قاد عملية التحرير بقيادة أحمد العودة. 

لن يكون للدول الإقليمية، مهما بلغ شأنها، أن تقرّر وحدها شكل الصراع في سورية من دون انتظار موافقة أميركا، أو من دون أخذ مصالحها على الأقل بالحسبان

عندما بدأت حملة النظام لاستعادة السيطرة على المنطقة في يوليو/ تموز 2018، أو ربّما قبل أن تبدأ حتى، تمّ التوصل، أو كان هناك فعلاً اتفاقٌ مُسبق بين قائد فصيل شباب السنّة أحمد العودة، وبوساطة فعّالة من نسيبه خالد المحاميد، الذي كان قبلها بعام نائباً لرئيس هيئة التفاوض، والقوات الروسية، على تجنّب الصدام مع قوات النظام في مقابل عدم محاولتهم الدخول إلى المدن والقرى التي تسيطر عليها قوات العودة. بعد ذلك تمّ ضم هذه القوات إلى الفيلق الخامس، بشرط أن يخدم أفرادها في مناطقهم، وبشرط ألا يشاركوا في أية أعمالٍ قتالية ضد أيٍّ من فصائل الجيش السوري الحر في أية منطقة من سورية. هذه هي خريطة القوى المحلية في الجنوب، والتي يمكن أن تسند مشروع الجسد السوري الجديد.

على الصعيدين، الإقليمي والدولي، يمكن القول إنّ مجمل الظروف لا تساعد على إنشاء أي جسم سياسي جديد لتمثيل السوريين الثائرين على النظام، فلا الوقائع الميدانية على الأرض التي رافقت إنشاء الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية متوفرة، ولا وجود للحشد الدولي الذي أدّى إلى الاعتراف بهذا الائتلاف ممثلا للشعب السوري، بموجب القرار الصادر عن الهيئة العامة للأمم المتحدة رقم 262/67/5 تاريخ 15/3/2013، ولا الظروف السياسية التي كانت تضع الملف السوري في قمة أولويات المجتمع الدولي هي ذاتها، ولا حتى اهتمام الإعلام ومنظمات حقوق الإنسان والمنظمات الإغاثية الدولية هو ذاته، ولا باتت المسألة السورية هي الأولى في أروقة الأمم المتحدة. يُضاف إلى ذلك كله حالة العطالة الدولية السائدة الآن بعد نجاح الديمقراطيين في انتخابات الرئاسة الأميركية، وهي بكل تأكيد ستغير كثيراً في موازين الصراع في المنطقة. وبالتأكيد، لن يكون للدول الإقليمية، مهما بلغ شأنها، أن تقرّر شكل الصراع وحدها من دون انتظار موافقة أميركا، أو من دون أخذ مصالحها على الأقل بالحسبان، وهذا كله ما يزال قيد المراجعة والدراسة.

على الصعيدين، الإقليمي والدولي، الظروف لا تساعد على إنشاء أي جسم سياسي جديد لتمثيل السوريين الثائرين على النظام

وفق هذه الخلفية، يجب قراءة تصريحات خالد المحاميد المذكورة أعلاه. هل كان يشير إلى بعض مخرجات الاجتماع الذي عُقد بين السعودية والإمارات ومصر والأردن على مستوى كبار المسؤولين في وزارات الخارجية، بالتاريخ نفسه، لبحث تطورات الأزمة السورية، والذي قالت عنه الخارجية المصرية إنه بحث "تعزيز الجهود المشتركة لصون عروبة سورية ومقدرات الشعب السوري الشقيق"؟ وهل كانت تلك رسالة من دولة الإمارات، حيث يقيم المحاميد وتتركز أعماله، إلى باقي الفاعلين الدوليين، أم إنها مجرّد توقعات من المحاميد لما يمكن أن يتم العمل عليه، فحاول استباق الأحداث والإعلان عن نيته تشكيل جسم سياسي جديد؟

هل سيكون لمدينة بصرى الشام، حيث للمحاميد صلات نسب وعلاقات مباشرة مع الرجل الأكثر نفوذاً فيها، أي دور في هذا التشكيل السياسي المُنتظر، وهل لدرعا وطفس دور مماثل أيضاً؟ وما هي طبيعة هذا الجسم المعبّر عن طموح السوريين وآلامهم بعيداً عن الأجندات الإقليمية والدولية، وهل يمكن له القيام والعمل في ظل حالة العطالة المجتمعية الهائلة في عموم سورية، وفي المناطق الخاضعة لسيطرة الأسد خصوصا؟ ما هو المقصود بصون عروبة سورية ومقدّرات الشعب السوري، وهل يكون ذلك بالتعاون مع النظام الغارق حتى قمة رأسه بالمستنقع الإيراني، أم سيكون ذلك كله لمواجهة النظام وإخراج سورية من حضن إيران؟ هل يكفي هذا المشروع الانطلاق من بقعة صغيرة في الجنوب، أم له أسس وروافع في باقي المناطق أيضا؟

لننتظر بعض الوقت لإيجاد الإجابات عن هذه الأسئلة. وإلى حينه، لا نعرف بعد ما إذا كان من الممكن للجنوب أن يغرّد ثانية خارج السرب أم لا.