هل يعود الإنكليز إلى حكم العراق؟

هل يعود الإنكليز إلى حكم العراق؟

28 يوليو 2021
الصورة

السير فردريك ستانلي مود يقود جيشا من الهند في بغداد (11/3/1017/Getty)

+ الخط -

لا ينطوي هذا السؤال على مزحةٍ سمجة، ولا على مفارقةٍ لاذعة، وإن كان تاريخ العلاقة بين بغداد ولندن يحوي مفارقاتٍ كثيرة لا يزال بعضٌ من أبناء الجيل العتيق من العراقيين يذكرها في باب المقارنة بين سلوك الإنكليز في الفترة التي احتلوا فيها "بلاد النهرين" أوائل القرن الماضي، وصولاً إلى قيام "الدولة الوطنية" وحماية حكم الملوك، والسلوك الأميركي في العقدين الأخيرين بعد الاحتلال. وفيما تطغى لدى هؤلاء الصورة النمطية للفرد الأميركي التي ترى فيه صفة "الأميركي القبيح"، تقترب صورة الإنكليزي من أن تكون صورة "الثمل المرح". من هنا جاءت إجابة عديد منهم عن السؤال المطروح، وكنت قد وضعته على "فيسبوك" قبل كتابة هذه المقالة، بأنهم يقبلون أن يحكمهم الإنكليز، على أن يُطرَد العسكر الأميركيون، وتُنهى الهيمنة الإيرانية ويُقضى على المليشيات، وهذا يمثّل قمة اليأس من احتمال حصول تغييرٍ على يد قوة وطنية حقيقية.

هؤلاء الذين لا يرون ضيراً في استبدال هيمنة دولةٍ أجنبيةٍ بهيمنة دولةٍ أخرى غيرها، ينسون أو يتناسون أن "أبو ناجي"، وهي التسمية التي يطلقها العراقيون على الإنكليز، خرج من العراق مذموماً مدحوراً واللعنات تشيّعه، وإن ظلت عيونه ترصد حال العراق بعد نصف قرن على خروجه منها، كما ظلّ يسعى إلى تكريس نفوذٍ له في هذا البلد في أية فرصةٍ تتاح له، وجاءته الفرصة عندما شارك في عملية الغزو التي قادتها الولايات المتحدة بدعوى امتلاك نظام صدّام حسين أسلحة نووية، تلك الفرية التي شارك في تلفيقها رئيس وزراء بريطانيا آنذاك، توني بلير. وفي حينها، استولى البريطانيون على زمام الأمور في مدينة البصرة الجنوبية، ثم ما لبثوا أن انسحبوا بعد ست سنواتٍ تحت وطأة المقاومة الشعبية التي حاصرت معسكراتهم، وفي الذهن لا تزال طريّة واقعة ما كان قد صرّح به سياسيون بريطانيون في احتلالهم الأول للعراق قبل مائة عام، أنهم لا يحبّذون الانسحاب من "بلاد النهرين" لأسبابٍ جيوسياسية واقتصادية. وكتب رجل الإدارة المدنية البريطانية التي حكمت العراق آنذاك، توماس ليبيل، في كتابه اللافت "المكشوف والمستور في بلاد النهرين": "إذا كان لا بد من ترك هذه البلاد لأهلها، فلا بد من إبقاء مدينة البصرة تحت سلطتنا وعدم التخلي عنها لأي سبب"، وهو الأمر الذي ظل، كما يبدو، يجول في خاطر الإنكليز الذين يطمعون اليوم بإعادة أمجادهم على حساب تطلعات العراقيين الوطنية، وطموحهم إلى استعادة السيادة والاستقلال لبلدهم.

 الذين لا يرون ضيراً في استبدال هيمنة دولةٍ أجنبيةٍ بهيمنة دولةٍ أخرى، ينسون أو يتناسون أن "أبو ناجي"، التسمية التي يطلقها العراقيون على الإنكليز، خرج من العراق مذموماً مدحوراً

وما دفع الكاتب إلى طرح السؤال المثير، تواتر تقارير دولية وإقليمية عن توجّه إلى إيجاد حل لنا، بعد أن استعصت الحلول، وقصر الحراك الشعبي عن تحقيق أهدافه، وقد تسارعت المعطيات العملية لوضع خريطة طريق لإعادة إنتاج "العملية السياسية" الماثلة بما يضمن إبقاء سيطرة أميركا وبريطانيا على العراق، اللتين وجدتا فيه ما يحقّق لهما مطلباً جيواستراتيجياً في المنطقة. ولذلك، تتابعت زيارات مسؤولين بريطانيين لبغداد، جديدها أخيراً زيارة وزير الخارجية، دومينيك راب، التي توّجت بتوقيع "وثيقة التعاون السياسي والاستراتيجي" بين البلدين. والإشارة المقصودة عن "دور إقليمي قيادي للعراق"، والاتفاق على زيادة حجم الوجود العسكري على أرضه، تحت لافتة "حلف الناتو" و"التحالف لمواجهة داعش"، التي ستكون للإنكليز حصة كبيرة فيه. وتبعاً لذلك، ستنتقل إدارة "الملف العراقي" من يد الولايات المتحدة إلى يد بريطانيا التي ينظر إليها على أنها أكثر تفهماً للواقع العراقي وللعراقيين، وهذا يتوافق مع خطط واشنطن لتقليص وجودها العسكري، وقد أخذت علماً بذلك حكومة مصطفى الكاظمي، المحسوب بشكل من الأشكال على بريطانيا.

ويسعى عراقيون مقيمون في الداخل، أو مغتربون في الخارج، لعقد مؤتمر يروّج هذه الخطط، على أمل أن ينالوا بعض الفتات من "الأرباح" التي حُرموها، واستأثر بها حكام العراق الحاليون وحدهم.

وبالطبع، ستنسحب كل هذه المعطيات على الداخل العراقي، حيث ينتظر أن تؤسِّس الانتخابات المقبلة، إن جرت في موعدها المقرّر، فثمة دلائل تنبئ بأنها ستؤجَّل، تؤسِّس لمرحلة تضمن قيام حكومة تعمل على حفظ الأمن ومحاكمة قتلة الناشطين وإنهاء سيطرة المليشيات، وتوفير الخدمات الأساسية للجمهور، ومكافحة الفساد. وفي أذهان صانعي السياسات من أميركيين وبريطانيين، أن عراقاً فاعلاً ونشيطاً، كالذي يأملونه، يمكن أن يقطع الطريق على المشروع الإيراني وامتداداته، في الوقت نفسه الذي يفتح فيه الباب لاستكمال عملية التطبيع مع إسرائيل، وتسهيل ولادة "الشرق الأوسط الجديد" الذي يُراد منه تغيير جغرافية المنطقة، وقطع الصلة بتاريخها، وهنا بيت القصيد.