هل يحدُّ التأهيل للزواج من ارتفاع الطلاق؟

هل يحدُّ التأهيل للزواج من ارتفاع الطلاق؟

12 نوفمبر 2021
الصورة
+ الخط -

ليس كلُّ مَن بلغ سنَّ الزواج مؤهَّلاً له، بتحقيق الوعي والنضج النفسي والاجتماعي للتعامُل مع هذه الحالة الاجتماعية الجديدة التي يجد كلٌّ مِن الزوج والزوجة نفسيهما في دائرتها المتحرِّكة. ولا يقتصر فشلُ الزواج على الانفصال، ولكن هناك حالات فشل كثيرة مستمرَّة في إنتاج مآسيها، للزوجين، وللأبناء، وهناك أزواج يقضون سنواتٍ طويلة من الشِّقاق والأزمات، ثم ينتهون، بعد ذلك كله، إلى الطلاق.

مناسبة هذا الكلام مبادرة وزارة الأوقاف ودار الإفتاء المصريتين إلى عقد دورات تدريبية للمُقْبلين على الزواج؛ لمواجهة الارتفاع المخيف، والمطَّرد، وغير المسبوق، في نِسَب الطلاق، بين المتزوِّجين، في السنوات الخمس الأولى للزواج (احتلت مصر عام 2017، المرتبة الأولى، عالميّاً)؛ في استجابة سريعة، كما ورد في الخبر، لتوجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسي. وليست هذه المبادرة جديدة، إذ سبق لدائرة الإفتاء المصرية، بإشراف من وزارة التضامن الاجتماعي، أنْ أطلقت في أواسط 2019 "برنامج مودّة" التدريبي للغاية نفسها. وكانت دراسة أعدّها الجهاز المركزي للتعبئة العامَّة والإحصاء عن تطوُّر ظاهرة الطلاق، خلال السنوات من 1996-2015، أظهرت أنَّ الطلاق أصبح بمعدَّل 40% من حالات الزواج التي تمَّت في السنوات الخمس الأخيرة، من هذه الفترة، بعدما كان 7%.

 أزواج يقضون سنواتٍ طويلة من الشِّقاق والأزمات، ثم ينتهون، بعد ذلك كله، إلى الطلاق

ولا تقتصر ظاهرة ارتفاع معدّلات الطلاق على مصر، ولا على بلاد عربية أخرى ترتفع فيها نسبُ الطلاق، كالأردن، والكويت، مثلاً، فهي كذلك ظاهرة عالمية، وخصوصاً بعد جائحة كورونا، وتداعياتها، كما تظهر التقارير عن روسيا، وبريطانيا، وسواهما.

قد يبدو مصطلح التأهيل مستغرباً على مثل هذا الأمر؛ لأن الزواج يتطلَّب صفاتٍ وقدراتٍ لا تخضع لضوابط مُحدَّدة، فليس النضج واستقلالية الشخصية، وهما أمران حاسمان، هنا، مما يُحصَّل في "كورس"، أو دورة تدريبية، وإنْ كانت النصائح تَلزم، وقد تفيد، في تحديد الأدوار، أو الحقوق والواجبات، وفي حُسْن اختيار الزوج، أو الزوجة المناسبة، لكنها لا تكفي، للتعاطي مع تلك الحالات والتحدِّيات المتجدّدة، كلَّ يوم، والمختلفة في ظروفها، في كلِّ مرَّة، فهذا الشأن من موضوعات علم الاجتماع، وهو من أكثر المجالات مراوغة وتفلُّتاً. وهو، أيْ إنضاج الشخصية الإنسانية السويَّة حصيلة روافد مجتمعية وفردية، طويلة الأمد، نسبيّاً؛ فلا تعالَج، أو تُستوفى، في دورة، ولا تُطبَخ على نارٍ حامية، أو بتعليماتٍ جاهزة ومقولبة.

وفي الأسباب الجديدة لهذه الانهيارات الأسرية: أنَّ الآباء لا يمنحون أبناءهم؛ من الجنسين، الرعاية والتوعية الكافية التي تتطلَّب عيشاً طبيعيّاً، وإنضاجاً كافياً، يصاحب الأبناء، منذ الطفولة، وذلك بسبب انشغال الوالدين في طلب الكسب، وبسبب انقطاع الأبناء، في معظم الوقت، في أوساطهم الخاصة. ومن الأسباب ضعف الحياة الاجتماعية الحقيقية، حتى التعرُّف المُفضي إلى الزواج يكون في حالاتٍ غير قليلة من طريق وسائل التواصُل الاجتماعي أكثر ممَّا هو عن معرفةٍ قريبةٍ كاشفة.

وفي صُلْب الأسباب هذا الانتقال الذي يُحدِثه الزواج؛ من العواطف المتشوّقة، إلى الحياة الواقعية، وتبعاتها؛ من النظرية إلى التطبيق، مع ما يحمله التطبيق والممارسة من إمكانات الخطأ والارتباك، والفشل، أحياناً، ولا نعدم أسباباً شبه خفيَّة، كضعف القناعة، بالزواج، أصلاً، أو تراجُع الحماسة له، في أوساطٍ شبابيةٍ معيَّنة؛ إذ أظهرت الدراسات الحديثة أنَّ جيل الألفية (وُلِدوا في الفترة بين بداية 1990 أقصى حدّ، إلى البداية المبكِّرة من عام 2000) يميلون إلى تأجيل الزواج. ونسبة عالية منهم تقضي وقتاً طويلاً نسبيّاً على مواقع التواصُل الاجتماعي، إذ تفيد الدراسات بأنّ 90٪ من ذوي الأعمار ما بين 18-29 موجودون على مواقع التواصل الاجتماعي، وهي المواقع التي أسهمت في تشكيل وعيهم، وفي تحديد طريقة تفاعُلهم مع وقائع الحياة. وهذه الحماسة المنخفضة أصلاً للزواج، مع سهولة التواصُل على وسائل التواصل الاجتماعي، وفَّرت فرصاً أكبر للخيانات الزوجية، لمَن لديهم الاستعداد لها، من قبل، وَفْق مفهوم الخيانة الزوجية الواسع؛ تلك الخيانة التي كانت وفق التقصِّي، سبباً ملحوظاً من أسباب الطلاق، وأكثرُ طالباتِه من النساء.

قد يكون الفشلُ في الزواج مؤشِّراً، ولو جزئيّاً، على تجليَّاتٍ للفشل، في بنية النظام الاقتصادي

وفي عالمٍ لاهثٍ وراء الاستهلاك، ومع وسائل إعلامٍ تلاحق، بالدعاية، رغباتِنا، إلى مزيد من الرَّفاه، نحن معرَّضون للتهوين ممَّا لدينا، للَّحاق بما ليس لدينا، بعد أنْ تضيف له تقنياتُ الدعاية ما هو أقرب إلى الخيال، فتَحدُث المقارنات المُضَلِّلة، وقد يستصغر الزوجُ والزوجة، كلٌّ منهما الآخر.

وبعد ذلك كله، ليس من الإحاطة أنْ نحمِّل الزوجين الجديدين، أو غير الجديدين، كلَّ اللوم؛ فالبيئة الاجتماعية والاقتصادية تُلقي بكلِّ ثقلها عليهم، فقد يكون الفشلُ في الزواج مؤشِّراً، ولو جزئيّاً، على تجليّاتٍ للفشل، في بنية النظام الاقتصادي والرِّعائي، فضلاً عن التفكُّك الاجتماعي العام، وضعف الروابط الأُسَرية وروابط القرابة، ضمن الأسرة الكبيرة، علاوةً على مضخّات العُنْف الآتية ممّا تعرضه بعضُ الأفلام، وغيرها، من قبيل ألعاب الفيديو العُنْفيَّة التي تؤثِّر في الأطفال، وفيمَن كانوا أطفالاً، حينئذ فالضغوط أكبر، والامتحان أوسعُ تطلباً، والتشابكات ممتدَّة إلى خارج نطاق الأسرة الصغيرة الناشئة، أو القديمة، فالأسرة هي المكوِّن الاجتماعي الذي تنتهي إليه معظمُ أزمات المجتمع، وهي الكاشفة لجُلِّ اختلالات النُّظُم الاقتصادية والاجتماعية، واضطراباتها؛ اضطرابات القيم، أو تصدُّعها. ولذلك الحلول هي أيضاً، سياسية واقتصادية، بعد أنْ تكون تربوية، وأخلاقية، وتوعوية.