هل هي حقاً جمهورية جديدة؟

هل هي حقاً جمهورية جديدة؟

08 اغسطس 2021
الصورة

محمد نجيب وجمال عبد الناصر وضباط من حركة 23 يوليو في القاهرة (20/6/1953/Getty)

+ الخط -

لماذا لا يتم الاحتفال في إيطاليا بثورة القمصان السود التي قامت عام 1922، وقادها موسوليني، وأدّت إلى انتصار الفاشية، ثم تمكّنها من السلطة؟ وفي ألمانيا أيضا، لماذا لا يتم الاحتفال بتولي هتلر المستشارية في يناير/ كانون الثاني 1933؟

الإجابة لأن الفاشية والنازية هزمتا بعد تسبّبهما في كوارث كثيرة للبشرية، وأصبحت الأفكار الفاشية والقومية النازية من الأفكار والاتجاهات غير المستحبة في أوروبا، بعدما ظلت تعتبر جماعاتٍ محظورة فترات طويلة.

صحيحٌ أنه لا تزال هناك مجموعات فاشية في إيطاليا واليونان، وأكثر من دولة أوروبية. وأخيرا، مع تزايد موجات هجرة السوريين إلى أوروبا ظهرت مجموعات النازيين الجدد القومية المعادية للمهاجرين والمسلمين، بالإضافة إلى جماعات اليمين القومية، ذات الخطاب العنصري الكاره للآخر. ولكن تلك المجموعات القومية والنازية تعتبر، بشكل عام، مجموعات أقلية، مهزومة. خطابها مستهجن، غير مصرح لها بإعلان خطابات الكراهية، وتعتبر أنشطة كثيرة لها محظورة قانونيا، فالتوجه العام في أوروبا والغرب لا يزال محافظا على الصبغة الليبرالية وخطاب ما بعد الحرب العالمية الثانية وتشجيع قيم التسامح والتعايش واحترام الآخر.

ولكن تخيل لو كانت نتائج الحرب العالمية تغيّرت، أو لو كان أنصار هتلر وموسوليني هم من يحكمون أوروبا حاليا، لكانت أوروبا كلها تحتفل الآن بذكرى ميلاد الزعيم هتلر أو الزعيم العظيم موسوليني، ولكانت أوروبا كلها تكتسي بشعارات الفاشية والنازية، بالإضافة إلى تنظيراتٍ عن كيفية نجاح النازية والفاشية في تفجير طاقات الشعوب وتحقيق التعاضد والتكامل، وأنه لولا ثورة القمصان السود في إيطاليا، أو لولا استيلاء هتلر على السلطة في ألمانيا، لما كانت البشرية تمتعت بالتقدّم العلمي والرخاء، ولكانت افتتاحيات الصحف تتحدّث، أنه لولا الفاشية لظلت أوروبا غارقةً في الجاهلية والظلام وأوهام التعدّدية والديمقراطية والشفافية، ولولا النازية لغرقت أوروبا في تلك القيم الدخيلة عن احترام حقوق الانسان أو تداول السلطة وباقي تلك الأفكار الدخيلة التي تؤدي إلى ضياع مجهودات الشعوب.

تخيل لو كانت نتائج الحرب العالمية تغيّرت، أو أن أنصار هتلر وموسوليني يحكمون أوروبا حاليا، لكانت أوروبا كلها تحتفل الآن بذكرى ميلاد الزعيم هتلر أو الزعيم العظيم موسوليني!

ما تخيلته سابقا هو سبب ذلك الاحتفاء المبالغ فيه في مصر بذكرى انقلاب 23 يوليو 1952، أو حركة الجيش أو الحركة المباركة كما أطلقوا عليها في البداية، فعلى الرغم من كل التبعات التي حدثت على مصر والعالم العربي جرّاء ذلك، إلا أنه ببساطة لا يزال النظام الحاكم هو نفسه من وقتها، فالنظام ليس شخص جمال عبد الناصر، أو أنور السادات، أو حسني مبارك، بل هو القواعد القانونية والدستورية التي تحكم العلاقة بين الحاكم والمحكومين، وبين رأس الدولة وباقي المؤسسات، والعلاقة بين المؤسسات بعضها ببعض والتوازن بينها. ولذلك أشعر بالشفقة أحيانا على بعض الأصدقاء الناصريين، والشيوعيين، عندما يحاولون الفصل بين ما فعله عبد الناصر وما فعله السادات، ومبارك بعد ذلك. يتشابه ذلك مع ما يروّجه أنصار السلطوية الجدد، وكثيرون منهم ناصريون بالمناسبة، من أن النظام الحالي هو جمهورية جديدة تختلف تماما عن الماضي. وأشعر بالتعجب أيضا من مزاعم بعض الناصريين، أن نظام عبد الناصر يختلف عن نظام السادات، أو نظام مبارك، على الرغم من أن النظام السياسي واحد، ومؤسسه هو عبد الناصر وضباط يوليو الذين أطلقوا على أنفسهم مجلس قيادة الثورة، إنه النظام نفسه، شديد المركزية والبيروقراطية البغيضة التي لا تزال تحكم مصر، نظام الشخص الواحد والحزب الواحد الذي يسمو فوق المؤسسات، وفوق الحساب، أو النقد. وأن النظام كان ذا صبغة اشتراكية في العهد الناصري، ثم راح إلى الرأسمالية، أنه كان يمثل محور المقاومة ضد الإمبريالية، ثم أصبح جزءا من مشروع الإمبريالية، فذلك كله تفاصيل حول الألوان والشكل الخارجي، ذلك أن جوهر النظام واحد، ليس للشعب مكان فيه ولا رأي.

ومن أسباب تزايد الهجوم علي انقلاب يوليو وحالة اللعن التي يتلقّاها عبد الناصر، على الرغم من إنجازاته وزعامته العالم العربي، أنه أيضا الأب الروحي للمنظومة التي ما زالت تحكم في معظم الدول العربية، وهو مؤسّس تلك الدولة شديدة البيروقراطية والمركزية الكريهة التي نعاني منها، فكل من جاء بعد عبد الناصر حافظ على إجراءات الاستبداد والصوت الواحد والإعلام الموجّه والمركزية الشديدة والبيروقراطية. أما الإنجازات المحسوبة لعهد عبد الناصر، مثل البعد الاجتماعي والتمييز الإيجابي للطبقات البسيطة والعمال والفلاحين، فذلك كله ضاع هباءً، أو تم إلغاؤه في عهدي السادات ومبارك بجرّة قلم لأن نظام الحكم يرسخ لحكم الفرد في الأساس، وليس حكم مؤسسات.

يمكن تفسير الحنين للعهد الملكي، والذي يصل أحيانا إلى درجة المبالغة والتضخيم، بأنه رد فعل مضادّ على ذلك التأليه والتضخيم للرواية الناصرية

وفي النهاية، من يكتب التاريخ هو المنتصر، وبما أن النظام نفسه هو الحاكم فلا عجب من الاحتفاء الكبير على المستوى الرسمي بما حدث في 23 يوليو/ تمّوز 1952، أو تلك الإشادة بالعهد الناصري. وعلى الرغم من ذلك، يستمر التراشق كل عام على وسائل التواصل، وتزداد حدّة المناقشات، فجيل "السوشيال ميديا" لا يعرف الرموز والأصنام، وإن يبالغ بعضهم في استفزاز الناصريين وأنصار يوليو 1952، بزعم أنّ مصر كانت جنة الله في الأرض قبل يوليو 52، حيث الانفتاح الثقافي على الغرب والنمو الاقتصادي للمملكة المصرية التي كانت تقرض إنكلترا، ونظافة الشوارع وجمال المباني والانفتاح السياسي وفي الاتجاه المقابل، يزعم الناصريون إنه لم تكن هناك مصر قبل "23 يوليو".

لم تعد الأجيال الجديدة تكتفي بالروايات الرسمية، وما يتم تدريسه في كتب التاريخ المدرسية، بل أصبح من السهل قراءة كتبٍ كانت محظورة على أجيال سابقة، ومعرفة ما كان خفيا في رواية أزمة مارس 1954، وما حدث من غدر مع الرئيس محمد نجيب، وأسباب حرب السويس وما تسبب في هزيمة يونيو، والدخول في حرب بدون سابق تجهيز. واكتشفت الأجيال الجديدة أن ضباط يوليو لم يكونوا بتلك الصورة البطولية والملائكية التي صوّروها عن أنفسهم، كما أن ما قبل 1952 لم يكن بذلك السوء الذي صوّروه لنا.

كلّ من جاء بعد عبد الناصر حافظ على إجراءات الاستبداد والصوت الواحد والإعلام الموجّه والمركزية الشديدة

ويمكن تفسير الظاهرة المتزايدة للحنين للعهد الملكي، والذي يصل أحيانا إلى درجة المبالغة والتضخيم، بأنه رد فعل مضادّ على ذلك التأليه والتضخيم للرواية الناصرية، بعض استفزاز مناهضي انقلاب 1952 يستخدمون صيغة المبالغة بالتأكيد، بهدف المكايدة للرد على مبالغات الناصريين، ولكن نسبة ضخمة من الأجيال الجديدة على الإنترنت اكتشفت أن الأمر لم يكن بهذا السوء، أو أنه كان يمكن إجراء إصلاحاتٍ وتحويلها إلى ملكية دستورية برلمانية، بدلا من الانقلاب الكامل واستبدال الباشوات القدامى بطبقة الضباط الجدد، فكتب وشهادات كثيرة ظهرت توضح أن حاشية عبد الناصر من الضباط فاق فسادهم وطغيانهم ما كان يتم روايته عن حاشية الملك فاروق، فبعد عدة سنوات على إطلاق شعارات يوليو، اختفت شعارات المساواة أو أن الشعب كله سيد أمام القانون، وتولّدت طبقة جديدة من العسكريين والبيروقراطيين الموالين لديهم امتيازات غير محدودة.

مبالغة بعضهم في الحنين لفترة الملكية يشبه كثيرا ذلك الحنين الذي يحدُث أحيانا لعصر مبارك مقارنة بالآن، وهذا أمرٌ نسبي بالتأكيد، وليس معناه أن مبارك كان الرئيس الديمقراطي أو أن دولته كانت دولة القانون والحكم الرشيد، ولكن سجون مبارك، على الرغم من سوئها، تعتبر جنة مقارنة باليوم، كذلك الإجراءات النيوليبرالية التي انتهجها جمال مبارك، وأدت إلى التضخم وزيادة الأسعار تعتبر لا شيء مقارنة بما يحدث الآن. ولكن يتبقى التاريخ، بروايتين دائما وربما أكثر، وتفاصيل كثيرة خافية أو يتم تجاهلها في الروايات الرسمية، لكن قراءة التاريخ بتمعنٍ ربما تساهم يوما في تجنّب تكرار أخطاء الماضي، ربما.