هل هناك بديل عن "إسقاط النظام" السوري؟

24 يونيو 2014   |  آخر تحديث: 05 ديسمبر 2023 - 14:38 (توقيت القدس)

حافظ الأسد بنى منظومة أمنية متأهبة للقتل (Getty)

+ الخط -

يكتسب البحثُ عن شعارٍ بديلٍ لشعار "إسقاط النظام" الذي طرحناه، نحن السوريين، في بداية الثورة، مشروعيتَه، من حالة الاستعصاء التي تشهدُها ساحةُ القضية السورية، إِنْ على الصعيد الميداني، حيث الحربُ سجالٌ، لا غالبَ فيها ولا مغلوب، أو على صعيد التوازنات الإقليمية المتدخلة في الشأن السوري، ولا سيما بعد  انتقال إيران من حالة الدعم من الخلف، أو من وراء الستار، إلى حالة النزول إلى الميدان، علناً وجهاراً وفي وضح النهار، ووضعها ثقلها كله لحماية النظام، ومنعه من السقوط، واستعداد روسيا (وفي ظلِّها الصين)، لإفشال أي مشروعٍ، يزعج خاطر النظام السوري، حتى ولو كان مشروع إدخال الطحين والضمادات الطبية إلى المدنيين السوريين المحاصرين في مناطق مختلفة، بحجة أن بينهم إرهابيين معادين لنظام الصمود والتصدي والممانعة.
والأدهى من هذا كله المواقف المتذبذبة لأصدقاء الشعب السوري الذين باتوا ينسون مأساته، ومذبحته اليومية، فترات طويلة، ثم يعودون إلينا بتصريحاتٍ، أقل ما يمكن أن يُقال عنها إنها "هزيلة"، تمثل حالة نكوص إلى الخلف، والكل متفقون على محاربة ذلك الشيء غير المحدد المسمى "الإرهاب". أما المنظمات الدولية، فلا يوجد لديها غير الشجب والاستنكار و"القلق"، وقد سجلت منسقة شؤون الإغاثة في الأمم المتحدة، فاليري آموس، موقفاً مضحكاً بعد أهزولة الانتخابات الرئاسية السورية، إذ بدت في غاية الشوق للقاء بشار الأسد، لتقول له: ضع مصلحةَ شعبك في مقدمة خياراتك!
هذا الوضع (المضحك -المُبكي)، على حد تعبير الفنان الراحل حبيب كحالة، هو الذي يدعو جميع السوريين اليوم إلى التوقف عن: القتال، والعمل، وتناول الطعام، والشراب، والاستحمام، والاستنجاء، ثم السعي إلى الإجابة عن سؤالٍ يفرض نفسه اليومَ بقوة، هو: ألا يوجد بديل عن إسقاط النظام السوري، إكراماً، على الأقل، للسوريين الذين لم تحصدهم آلةُ الموت بعدُ، والذين لم تتهدم بيوتهم فوق رؤوسهم بعدُ، والذين نزلت القيمة الشرائية لعملتهم إلى الربع، والذين فقد أبناؤهم حق التعليم والثقافة، وفقدت بناتُهم الحق بالسير في الشارع، من دون أن يأتي متطرف غبي، ليطالبها بـأن يكون معها (مُحْرَم)؟
الجواب: بلى. تتبعه كلمة (ولكن)...

إن المعضلة الأساسية التي تُلخص القضية السورية، برأينا، هي التالية: يريد السوريون أن يقيموا نظاماً يتيح لهم، جميعهم، التشاركَ في السلطة، نظاماً يؤسس لعملية التداول السلمي للسلطة التي تنعم بها شعوب العالم قاطبة (عدا استثناءات قليلة). وأما النظام السوري (وأُفَضِّلُ تسميتَه: نظام حافظ الأسد)، فلا يقبل أن يشاركه في السلطة أحدٌ قط.
لا أرى ما يدعوني لأشغل حضراتكم باستعراض أمثلةٍ تدل على صحة هذا الكلام، ويكفي أن أقول إن "نظام حافظ" لم يكن يقبل أن يُعَيَّنَ عضوُ مجلسٍ بلدي في إحدى قرى محافظة دير الزور، النائية جداً عن مركز السلطة، إذا لم تتوفر في هذا الشخص مجموعة عوامل يمكن تلخيصها بعبارة "الولاء لنظام الأسد".
وفي مطلع سنة 2011، الكل يذكر، تصدي بشارُ الأسد لرياح التغيير بعبارة عامرة بالاستعلاء على الشعب إذ قال: الشعب السوري غير مؤهل للديمقراطية.
وشكل نظام حافظ منظومة أمنية متأهبة، زودها بأوامر صريحة، تقضي بقتل كل من يتظاهر ضد استبداده، وكان أن بدأ ابن خالته، عاطف نجيب، بتنفيذ المذبحة، واشتعلت البلاد.
وفي أول خطاب لبشار الأسد 30 مارس/آذار 2011، وقف بشار الأسد أمام كورس المعجبين به في مجلس الشعب، وضحك حتى القهقهة، وزاد من جرعة التعالي على الشعب قائلاً: إذا فرضت علينا المعركة الآن، فأهلاً وسهلاً بها.
وكانت تلك العبارة إيذاناً صريحاً من بشار الأسد برفض أي عملية إصلاحٍ، يمكن لها أن تنتقص من (شمولية) النظام الذي يقوده، أو السماح لأي مكونٍ من مكونات الشعب السوري أن يشاركه سلطته، ولو على نحو شكلي، بدليل أنه، بعد زمن طويل، حينما أراد أن يوحي للشعب والعالم أن يقبل التشارك، أتى بقدري جميل الذي لا يمثل عِشْرَ معشار، ولا إِلْفَ مئلاف الشعب السوري، وأعطاه منصباً أقل من هامشي، هو نائب رئيس مجلس الوزراء للشؤون الاقتصادية، وحينما أدرك (نظام حافظ) أن قدري جميل نسي أن ما حدث لعبة، وبدأ يأخذ المسألة على نحو جدي، أقاله من دون أن يلتفت إلى الخلف.
يوم وضع وزيرا خارجية أميركا وروسيا، جون كيري وسيرجي لافروف، ثقليهما الدبلوماسيين، كلَّهما غيرَ منقوصين، في سبيل عقد مؤتمر جنيف وإنجاحه، بدأ وزير خارجية نظام حافظ الأسد، ووزير إعلامه، يطلقان تصريحات تحذيرية للمعارضة، ألا تظنوا أننا سنذهب لنسلمكم السلطة، وراح يعقد الآمال على رفض الائتلاف المشاركة في المؤتمر، لكي يجنبه مشقة الأخذ والرد بشأن مسألة (تشكيل الجسم الانتقالي) الذي يعني (مشاركة) أحد ما النظامَ في الحكم، وحينما وجد نفسه في وسط المعمعة، مارس كل ما من شأنه إفشال المؤتمر، وهو مسنود إلى ثلاثة جدران صلبة، أولها ضعف سند الشعب، والدعم الإيراني غير المحدود، والفيتو الصيني.
نصل، هنا، للجواب عن السؤال الرئيس الذي تدور حوله هذه الفكرة، وهو: هل يوجد حل آخر غير إسقاط النظام؟
برأيي لا.     

 

خطيب بدلة
خطيب بدلة
قاص وسيناريست وصحفي سوري، له 22 كتاباً مطبوعاً وأعمال تلفزيونية وإذاعية عديدة؛ المشرف على مدوّنة " إمتاع ومؤانسة"... كما يعرف بنفسه: كاتب عادي، يسعى، منذ أربعين عاماً، أن يكتسب شيئاً من الأهمية. أصدر، لأجل ذلك كتباً، وألف تمثيليات تلفزيونية وإذاعية، وكتب المئات من المقالات الصحفية، دون جدوى...