هل نشهد انتفاضة ثالثة في فلسطين؟

هل نشهد انتفاضة ثالثة في فلسطين؟

13 مايو 2021
الصورة

(إسماعيل شموط)

+ الخط -

ليست قضية الفلسطينيين المهددين بالطرد من منازلهم في حي الشيخ جرّاح في القدس المحتلة قضية عقارات تحاول أن تستملكها جماعاتٌ صهيونية بادّعاءاتٍ زائفة، هي قضية الشعب الفلسطيني والعربي، منذ تحالفت ضده أوروبا وأميركا، وتمَّ تصنيع الصهيونية لتكون جيشاً متقدّماً لتلك الدول في العالم العربي، وضده بالتأكيد.

انفجرت هذه القضية، وجاءت بعد أن ألغى الرئيس الفلسطيني، محمود عباس، الانتخابات في القدس، حيث رفض رئيس حكومة الاحتلال، نتنياهو، السماح بإجرائها. وأبو مازن يبتغي تأبيد سلطته، وهناك إمكانية لإطاحته، لو جرت الانتخابات، وبالتالي أنقذه نتنياهو. أبو مازن وحركة فتح ومنظمة التحرير وكل مؤسسات السلطة الوطنية الفلسطينية وسلطة الأمر الواقع في قطاع غزة تتحمّل مسؤولية كبرى في إمعان اليمين الصهيوني في محاولة السيطرة على القدس، فقد كانت المدينة المقدسة إحدى قضايا التفاوض المؤجلة مع منظمة التحرير وسلطة رام الله، ولكن ضعف دفاع السلطة "الفاشلة" عنها سمح بذلك الإمعان.

لا تكمن القضية فقط في حي الشيخ جرّاح، بل في كل أرض فلسطين، بما فيها الأراضي التي احتلت عام 1948. الفلسطينيون محاصرون ومهدّدون بالطرد، انطلاقاً من دعوات متكرّرة إلى الصهاينة بتحويل إسرائيل دولة لليهود فقط. هذا يعني أن ما يفعله الصهاينة في الشيخ جرّاح ليس جديداً ومستقلاً بذاته، بل هو تتويج لسياساتٍ استيطانية، قَطّعت أراضي أسر فلسطينية عديدة وفي عدة بلدات، سيما في الضفة الغربية، وفي القدس والأحياء المحيطة بها، والتي تحاول إسرائيل، بكل السبل والاحتيال، طرد سكانها الأصليين منها، تهيئة لإعلان إسرائيل دولة لليهود. وهذا لن يتحقق، والبداية الآن في حي الشيخ جرّاح والقدس؛ فهل تتغيّر السياسات الفلسطينية نحو إطلاق انتفاضةٍ ثالثة، تُجبِر العالم وإسرائيل على طرح سياساتٍ جديدة، تبدأ بتفكيك المستوطنات، والتراجع عن طرد الفلسطينيين من منازلهم وأرضهم وحياتهم، وتنتهي بتفكيك الدولة الصهيونية، لصالح تشكيل دولةٍ واحدةٍ في فلسطين.

تتبع إسرائيل سياسات التضييق والاعتقال وتقطيع المناطق الفلسطينية أكثر فأكثر، ولا تمنع مسيرات المستوطنين، حيث كل خطاب حكومتها والتوازنات الحزبية فيها تقوم على دعم الاستيطان

قضية استعادة فلسطين، والآن بيوت المهجّرين، تقف عائقاً أمام تفعيلها فلسطينياً وإقليمياً وعالمياً سلطات رام الله وغزة التي تمنع الشعب من الانتفاضة، حيث تقمعه. وبالتالي لن تتورّط تلك السلطات بإشعال انتفاضة، وهي تعمل من أجل إدامة سلطاتها، وضبط الشارع الفلسطيني وفقاً لمصلحتها. الحل يكون بمبادراتٍ شعبية، ومن خارج السلطات والفصائل الفلسطينية؛ ففي تلك اللحظة، وحينما يشتد ساعد تلك المبادرات يبدأ الشعب الفلسطيني وعناصر الفصائل بالانشقاق عنها وشحذ التضامن الفلسطيني الفلسطيني في كل المناطق، وسيتسع التضامن العالمي الواسع؛ أهل القدس وحي الشيخ جرّاح ومناطق عديدة في فلسطين بدأوا بالانتفاضة، وأغلب الظن أن مناطق أخرى ستلحق بهم. وهناك حالياً رفض دولي كبير ضد خطوة التهجير الجديدة، وإسرائيل تتعرّض لضغوط شديدة، وقد تُنقذِها الحكومات العربية المطبعة معها، والتي لن تكتفي بقمع شعوبها المؤيدة حق الفلسطينيين، بل وستعمل على دعم إسرائيل بأشكال متعدّدة للخروج من هذه الأزمة؛ ألم تطبّع دول عربية أخيراً، والسياسات الاستيطانية على قدم وساق!

أَوقفت إسرائيل البت بقضية عائلات حي الشيخ جرّاح إلى عدة أسابيع، لتستخدم سلطات الأمر الواقع في غزة والضفة لكسر الاحتجاجات، وتمرير الزمن بسبب الضغوط الدولية، وبحثاً عن تفجيرٍ سلبي للوضع، تكون نتيجته إخماد الانتفاضة التي تتسارع، وتلقى دعماً دولياً ما ينفكّ يتزايد. إن إعطاء فرصة لسلطات الأمر الواقع بالتدخل في القدس وسواها سيعني أمراً واحداً هو دفن الانتفاضة، وتهجير العائلات المهدّدة بذلك من "الشيخ جرّاح"، وبالطبع الاستمرار في التهجير منه ومن سواه. الدرس هذا يعرفه الشعب الفلسطيني، ويتطلب الأمر تشكيل قيادة ثورية من مختلف مناطق فلسطين وفي العالم، وطرح برنامج ثوري للتغيير في فلسطين، والبحث في كيفية تطوير أدواتها، داخلياً وعالمياً.

مؤشرات إيجابية على قوة الحراك، وخشية إسرائيل من محاذير كثيرة، قد تُضعِف مواقفها الإقليمية والدولية

تتبع إسرائيل سياسات التضييق والاعتقال وتقطيع المناطق الفلسطينية أكثر فأكثر، ولا تمنع مسيرات المستوطنين، حيث كل خطاب حكومتها والتوازنات الحزبية فيها تقوم على دعم الاستيطان. أغلب الظن سيقع شهداء فلسطينيون، وهذا سيثوّر مناطق فلسطينية كثيرة. الإدارة الأميركية ترفض التهجير والعنف، وهذا جيد، ولكنها لن تتدخل ضد إسرائيل، وخطابها هذا قد تتراجع عنه أو يظل إعلامياً، فهناك لوبيات أساسية في الإدارة الأميركية تعمل لصالح إسرائيل. وبالتالي، من الخطأ الاعتماد على المواقف الدولية، على أهميتها. خيار الفلسطينيين حالياً هو المواجهة وبكل السبل. وباستثناء العمل العسكري، حيث سيكون النافذة التي تستغلها إسرائيل في مواجهاتها وسيقف العالم إلى جانبها، ومن الخطأ التعويل على قراراتٍ دوليّة تؤكّد كل الخيارات لاسترجاع الأرض، أي استخدام المواجهة العسكرية أحد الخيارات.

ليس صحيحاً القول الآن إن المهددين بالطرد في القدس سيُطردون في النهاية وبقوة المحاكم أو قوة إسرائيل وتخاذل سلطتي الأمر الواقع في غزة والضفة، وفي ظل الضعف العربي الشديد. الآن، وقد بدأت الانتفاضة والعالم يؤيدها، وإسرائيل مدّدت للبتّ بقضية الطرد؛ أقول إن هذه مؤشرات إيجابية على قوة الحراك، وخشية إسرائيل من محاذير كثيرة، قد تُضعِف مواقفها الإقليمية والدولية.

الشعب الفلسطيني مهيأ حالياً لتطوير الانتفاضة، فهل يستطيع الفلسطينيون إبراز قيادة جديدة، وصياغة برنامج وسياسات جديدة، تتوافق مع مطالبهم، والتي تبدأ بتفكيك المستوطنات، ولا تنتهي بتفكيك الدولة الصهيونية؟ هذا هو سؤال الفلسطينيين والعرب في هذه اللحظة.