هل من دليل لتفكيك الاستبداد؟

هل من دليل لتفكيك الاستبداد؟

24 ديسمبر 2021
+ الخط -

في إطار القراءة المتأنية لكتاب عبد الرحمن الكواكبي "طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد" الذي أشار في فصوله المختلفة إلى شبكية الاستبداد في المجالات المختلفة، والآثار التي يمكن أن يتركها عليها تشكّل قابليات للظاهرة الاستبدادية، من المهم حين قراءة مثل هذا الكتاب وغيره من الكتابات التي تشرّح هذه الظاهرة أن نتوقف عند فعل الشبكة تلك، حينما نتحدّث عن بناء سياسات وأبنية لمقاومة الاستبداد والقيام بعمليات تفكيكه، وهي ما يمكن تسميتها "القراءة المناقضة لتلك الشبكة الاستبدادية"، أي التعرّض للمجالات نفسها التي تستهدفها السياسات الطغيانية والعمليات الاستبدادية، باعتبار أن القيام بعملية التفكيك لبنى الاستبداد فيها هو أول مقدّمات الإصلاح والمقاومة المستدامة للحالة الاستبدادية، فتتم مدافعة كل أشكال الاستبداد وشبكته ومؤسساته بتصوراتٍ تحاول أن تفهم كيف تعمل الديكتاتوريات، كما أشرنا سابقا، وكيف تتم صناعة الطاغية، وطبيعة العلاقات الفرعونية السياسية التي تتخذ أشكالا ووسائط متعدّدة وجب الوقوف عليها وعلى مفاصلها، حتى يمكن القيام بتلك العملية الإجرائية في مواجهة الاستبداد. ولعل ما قدمه ذلك التقرير المهم الصادر عن هيئة الحقيقة والكرامة، التونسية، بعنوان "تفكيك الاستبداد" الذي أشارت إليه المقالة السابقة للكاتب في "العربي الجديد" يعبّر عن رؤية حقيقية تجمع بين إدراك القابليات السلبية للاستبداد، والعملية البنائية؛ استحداث بديلٍ لتلك الشبكة الاستبدادية بأخرى يمكن أن تشكّل بنية مؤسسية وإجرائية للحكم الرشيد، بما يضمن استمراره واستدامته.

تشكل أفكار "دليل الاستبداد" مادّة مهمة، تساعد في التوقف على مفاصل إسناد الظاهرة الاستبدادية

ولعل ما أوحى إلينا بتلك الطريقة والانتباه إليها كتاب آخر، تُرجم إلى العربية، "دليل الاستبداد والمستبدّين: الفساد سبيلًا للاستيلاء على السلطة والحفاظ عليها". ومن الواضح أن فاطمة نصر التي ترأست مجلس إدارة دار سطور قد تصرّفت عند ترجمة العنوان تصرفًا كبيرًا، مع أنه قد أدّى معنى قريبًا من أصل الكتاب الذي صدر بالإنكليزية تحت عنوان: "The Dictator's Handbook: Why Bad Behavior is Almost Always Good Politics"
تشكل أفكار هذا الكتاب المهم في حقيقة الأمر مادّة مهمة، تساعد في التوقف على مفاصل إسناد الظاهرة الاستبدادية في إطار الممارسات السياسية في الداخل والخارج، حيث يرى مؤلفا الكتاب، أستاذا العلوم السياسية الأميركيان، بروس بيونو دو مسكيتا وألستير سميث، أن الكتاب ينشغل بإيجاد تفسير منطقي للسلوك "البائس" الذي يتسم به قادةٌ كثيرون، سواء في الحكومات أو في مجالات الأعمال، وتفسير هذه السلوكيات بما يتيح رؤية تفسيرية واضحة للمستقبل، وخطوة أولى نحو تعلّم تحسين الأوضاع.

يستعرض الكتاب ثلاث مجموعات ترتبط بأي سلطة، ديمقراطية كانت أو ديكتاتورية

وتناولا في فصول كتابهما العشرة (قواعد السياسة، والوصول إلى السلطة، والبقاء في السلطة، واسرق الفقراء وأعط الأغنياء، والحصول على الأموال وإنفاقها، والفساد والتمكين، والمعونات الخارجية، والشعوب والحالات الثورية، والحرب ـ السلام ـ النظام العالمي، وما العمل؟) فرضية ترى أن السياسة ليست شديدة التعقيد، وإنما تتطلب أن نخطو خارج عادات التفكير الراسخة والمسميات التقليدية والتعميمات الغامضة إلى عالم أكثر تحديدا من التفكير المرتكز على المصالح الذاتية. كما يستعرض الكتاب ثلاث مجموعات ترتبط بأي سلطة، ديمقراطية كانت أو ديكتاتورية، فيرى المؤلفان أن التغيير في قوة هذه المجموعات ونفوذها هو الذي يغير نمط النظام الحاكم؛ وهي مجموعات "المتخيرين اسميا"، و"المتخيرين واقعيا"، و"ائتلاف الفوز". فالشريحة الأولى "المتخيرين اسميا" تضم كل شخصٍ يملك الحق في اختيار القائد، لكنهم في بعض الأحيان يخضعون لسلطة قانون أعلى يحدّد مدى تأثيرهم وفقا لرغبات الحكام، فعلى سبيل المثال كان جميع المواطنين يتمتعون بحق الاقتراع في الاتحاد السوفييتي، لكن خيارهم كان منحصرا في التصويت بـ"لا" أو "نعم" للمرشحين اللذين كان يختارهما الحزب الشيوعي! ويزداد تأثير هذه المجموعة كلما اقترب النظام من الديمقراطية، ويقل تأثيرها مع الاستبداد. "علينا التوقف عن الاعتقاد بأن كيم يونغ الثاني وهتلر وستالين وجنكيز خان وغيرهم من المستبدين كانت لهم القدرة المطلقة على التحكم في أممهم، دون مساعدة من أحد، فالمستبدون لا يحكمون بمفردهم". أما الشريحة الثانية "المتخيرين فعليا"، فهم الذين يختارون القائد واقعيا، ويمكن التمثيل لهم بقادة الحزب الشيوعي في الصين، وكبار أفراد الأسرة في بعض الأسر الحاكمة. وتعد الشريحة الثالثة "ائتلاف الفوز" هي الأهم على الإطلاق، وهم أشخاصٌ يعدّ دعمهم القائد ضروريًا كي يبقى في منصبه. ويحاول المؤلفان الكشف عن وسائل خروج الشعوب المضطهدة من وطأة الاستبداد، إذ أوضحا أن الحياة السياسية تتمحور برمّتها تقريبًا حول حجم من يمكن الاختيار من بينهم، والنافذين، والائتلاف الفائز.

الاستبداد في بنيته يملك أدوات كثيرة يفرض عليها سلطان القوة فيؤمّمها لمصلحته، ويجيّرها لسلطان طغيانه

الهدف من استعراض أفكار هذا الكتاب هو الوقوف على تلك المفاصل في تشريح الظاهرة الاستبدادية، وكيف تنشأ وتبقى وتحاول الاستمرار في البقاء، وهو ما يحيلنا إلى ضرورة التعامل مع المفاصل ذاتها ومحاولة تقديم الاستجابات الفاعلة التي تمكنّنا من تفكيك الظاهرة الاستبدادية في تكوّنها، وفي مواجهة قابلياتها ومقاومة كل ما يتعلق بعناصر بقائها واستدامتها، ذلك أن دليل تفكيك الاستبداد صار أمرًا حيويًا ضمن ما يمكن تسميته "علم دراسة الاستبداد"، وهو بابٌ في علم السياسة وجب على هؤلاء المهتمين بالعلوم السياسية والبحث السياسي أن يبذلوا الجهد الكبير على مستويين مهمين؛ الأول: في تفكيك مفاصل الظاهرة الاستبدادية، والثاني: هو القيام بجهد بنائي يحقق أمرين، ألا تفقد الشعوب مناعتها في مواجهة الاستبداد، وأن تُبنى الأدوات الإصلاحية القادرة على فعل التمكين لبناء منظومة بديلة.
من الواضح في هذا المقام، ومع رسوخ الظاهرة الاستبدادية، أن الاستبداد في بنيته يملك أدوات كثيرة يفرض عليها سلطان القوة فيؤمّمها لمصلحته، ويجيّرها لسلطان طغيانه. ووفقا لهذا المعنى، يملك الاستبداد كميزة نسبية في ذلك الصراع المتعلق بعملية تفكيكه؛ وهو ما يؤدّي مع تعقّد تلك الظاهرة، وتمكّن قابلياتها، إلى منع تلك القوى التي تقوم على مواجهتها ومقاومتها، فإنها غالبا ما تعمل في المجالات ذاتها التي قام الاستبداد بتأميمها وركوب دفتها وتوجيهها لمصلحته. وغاية الأمر أيضًا أن المجتمعات في ظل أحوال الاستبداد تظل في حالة حركة، وإن كانت تلك لا تعود على المجتمع بعوائد حقيقية تصبّ في عافيته وكيانه، وكذلك فإن أدوات الإصلاح ذاتها تكون من الندرة بمكان، بل قد تُواجه من خلال تلك السياسات الطغيانية بالمطاردة لها ووأدها في مهدها. هذه الصعوبات الاستثنائية، والتي تتعلق بحالة التدافع المستمر في هذه المعركة الكبرى، إنما تحتاج إلى نَفس طويل، وإلى عملٍ فعّال يتعلق بالوقوف على خطة عمل متكاملة في عمليات المواجهة تلك، تستثمر وتبني على الموجود، وتحاول أن تبني المفقود، وتحاول من كل طريق أن تُصنّع تلك الأدوات لبلوغ المنشود والمقصود، إنها استراتيجية كبرى تحتاج للقيام بعملية إصلاحية جذرية ومتدرجة في آن واحد، وتحيط بعمق في تحيّن كل الفرص المهمة لإضعاف هذه المفاصل الاستبدادية واستثمار كل الطرق لمدافعة مؤسسات الاستبداد وشبكات الفساد.
لعل تلك مقدّمات مهمة لما يجب أن يكون موضع اهتمام من طليعةٍ بحثيةٍ تقوم بدراسات تشريحية وتفصيلية تأصيلية وميدانية، والاستفادة من كل الخبرات الإنسانية والعالمية السابقة في هذا المقام، والتعرّف على مكامن الخصوصية في عمليات التدافع والمقاومة.