هل مستقبل فرنسا بيد اليمين المتطرف؟

هل مستقبل فرنسا بيد اليمين المتطرف؟

03 ابريل 2021
الصورة
+ الخط -

تحاول زعيمة اليمين الفرنسي المتطرّف، رئيسة حزب التجمع الوطني، مارين لوبان، جاهدة الوصول إلى سدة الرئاسة الفرنسية في الانتخابات المقبلة. وإذا كان وصول والدها جان ماري لوبان إلى الدور الثاني من انتخابات 2002 في مواجهة جاك شيراك قد شكل صدمة للطبقة السياسية الفرنسية آنذاك، ودفع لتشكيل "جبهة جمهورية" لمجابهة اليمين المتطرّف، فإن الحال الآن يختلف عما كان عليه منذ عشرين سنة، ففي 2002 لم يتجاوز مؤسس الحزب، لوبان، عتبة الخُمُس، وحصل على أقل من 18% مقابل شيراك، في حين حصلت وريثته، ابنته، على أكثر من ثلث أصوات الناخبين سنة 2017، ومنذئذ وهي تتطلع إلى رئاسة الجمهورية، تطمع وتطمح، تعمل وتعول على تحسين صورتها كي تصبح مقبولة لدى المجتمع الفرنسي الذي يجنح سياسيا في اتجاه مواقف أكثر يمينيّة وتطرّفا.

حتى زمن قريب، كان الذين يصوتون لليمين المتطرّف يخجلون من إعلان اختيارهم خشية اتهامهم بالعنصرية ومعاداة السامية والقرب من الأوساط النازية والفاشية، وكانوا يتكلمون من وراء حجاب ويبرّرون مواقفهم، وفي التبرير نوع من الإقرار بالذنب. أما حاضرا، فقد نأى حزب التجمع الوطني بنفسه عن الخوض في المواضيع المثيرة، وتجنّبَ الحديث في المواضيع الشائكة، ومنها مسألة معاداة اليهود التي تسببت في إقصائه وتهميشه سابقا، حيث ما زال وصف جان ماري لوبان محرقة اليهود وغرف الغاز في الحرب العالمية الثانية مجرد "تفصيل على هامش التاريخ" في أذهان السياسيين. وعلى الرغم من محاكمته وتغريمه بثلاثين ألف يورو، فإن الإعلام لم يغفر له زلته، فأقصته ابنته، وتجنّب الحزب "معاداة السامية"، واستغل وقوع أحداث إرهابية وإجرامية، ليركز حملاته على الإسلام والمسلمين، وهم لا بواكي لهم.

حتى زمن قريب، كان الذين يصوتون لليمين المتطرّف يخجلون من إعلان اختيارهم خشية اتهامهم بالعنصرية ومعاداة السامية

وقد خلص تقرير نشرته صحيفة "لوجورنال دو ديمانش" الفرنسية، يوم 28 مارس/ آذار، إلى أنه: يعتقد حوالي 77% من الفرنسيين أن بلدهم بلد ذو ثقافة مسيحية، ويظن أكثر من 85% منهم أن العلمانية مهددة. يعتقد 47% من الفرنسيين بإمكانية التوافق بين قيم الجمهورية والدين الإسلامي، وتنزل النسبة إلى 32% عند المتعاطفين مع الحزب المتطرّف. يعتقد 67% من الفرنسيين أن الهجرة تكلف فرنسا أكثر مما تجلب لها من منفعة، وترتفع النسبة إلى 81% عند المتعاطفين مع الحزب. يشعر 62% من الفرنسيين و81% من المتعاطفين مع الحزب بانعدام الأمان. يعتقد 75% أن فرنسا في حالة انتكاس وانحدار، وتصل النسبة إلى 91% عند هذا التيار. يعتقد حوالي 60% أن حزب التجمع الوطني عنصري، ويشكل تهديدا للديمقراطية الفرنسية. يعتقد 74% من المشمولين بالاستقصاء أن الحزب ينتمي لليمين المتطرف، ويظن 84% أن رئيسته مارين لوبان لا تصلح للرئاسة.

أضحى التهجّم على الإسلام بحجة حرية التعبير أمراً عادياً لا يستنكر

الخلاصة أن أغلب الفرنسيين متفقون على أن فرنسا مهددة بثالوث خراب، كل عنصر فيه مرتبط بالآخر، ولا يمكنه فصله عنه، مشكل من "الهجرة، انعدام الأمن، والإسلاموية أو التطرف الإسلامي". ولكن إذ يُلاحظ تجذّر الأفكار اليمينية المتطرّفة داخل أوساط المجتمع، يُلاحظ ضعف شعبية مارين لوبان، لأسباب تتعلق بشخصيتها أكثر مما تتعلق بالأفكار التي تعبر عنها، فيمكن الاستنتاج أن اليمين المتطرّف استطاع ترويج أفكاره وجلب الناس إليها، ما اضطر الأحزاب الفرنسية إلى الجنوح يمينا في مواقفها، خصوصا من الثالوث المذكور. ويكفي التذكير بمواقف الوزير الأول السابق، الاشتراكي مانويل فالس، إبّان حكمه من المهاجرين السوريين ومن الإسلام، بَلْهَ (بإثبات الهاء) بمواقف عديدين من كبار زعماء اليمين التقليدي، خصوصا من حزب الجمهوريين الذي انضم عديدون منه إلى حزب التجمع الوطني الذي يهدف إلى طمأنة الفرنسيين من جهة قدرته على حكم البلاد، والقطع مع النظام الحالي الذي طال أمده في تبادل لدورات الحكم وللأدوار بين اليمين التقليدي واليسار. كما يروم توسيع قاعدته الحزبية التي لا تتجاوز 35% من الفرنسيين، وهو عدَدُ من سبق لهم التصويت للحزب المتطرّف. ولا سيما أنه، بعد التدقيق في الغاية من هذا الاختيار، يُقر ثلثا المصوّتين بأن تصويتهم احتجاجي ضد الأحزاب الأخرى، وليس دعما لأفكار الحزب المتطرّف. ومن ثمة، واستحضارا لهذا كله، تخلى الحزب عن عديد من مواقفه التقليدية التي تضعفه أمام الجمهور، ومنها المطالبة بالخروج من الاتحاد الأوروبي ومن منطقة اليورو، أو رفضه سداد ديون الدولة الفرنسية، لكنه أبقى وعوده الشعبوية الموجّهة، خصوصا، إلى قاعدته الانتخابية الصلبة، المؤلفة أساسا من فئة العمال والمسنين، مثل رفض تقشّف الميزانية والزيادة في الضرائب.

بناء على أعلاه، لا يتصوّر وصول الحزب إلى سدة الرئاسة، ولو يمشي بخطط حثيثة نحو الحكم، ما لم يغير قيادته ويختار زعيما له من خارج عائلة لوبان، لما يرمز إليه تاريخها من عنصرية وتطرف وفساد. بيد أنه لا مجازفة في القول إن الحزب نجح في ما هو أخطر، حيث استطاع تضخيم تيار العنصريين وتسويق أفكاره المتطرّفة، وحُلَّت عقد ألسنةٍ كانت لا تجرؤ على التفوه بسريرتها الخبيثة والحاقدة. وأضحى التهجّم على الإسلام بحجة حرية التعبير أمرا عاديا لا يستنكر، وأعطى هذا انطباعا لدى غالبية الفرنسيين بأن فرنسا مهدّدة، ويجب صونها وحمايتها. وعليه وكي لا يصبح هذا التيار الوحيد داخل المشهد الحزبي الذي يدَّعي الحفاظ على الهوية المسيحية للبلاد، وعلى أمنها في شتى المجالات، فقد دفع منافسيه إلى مزاحمته في طروحاته، بل وتبني بعضها. وقد ظهر هذا في القوانين الفرنسية أخيرا، وتصريحات وزراء كانت تعتبر ذات يوم انزلاقات خطيرة وتواطؤا غير مقبول.