هل للتسامح مكان في أوطاننا؟

10 ديسمبر 2020
الصورة

(محمد العامري)

+ الخط -

(1)

مرّت، يوم 16 الشهر الماضي (نوفمبر/ تشرين الثاني)، ذكرى اليوم العالمي للتسامح، وهو اليوم الذي كانت بدايته مع مؤتمر اليونسكو في 1995. وبعد ذلك بعام، كانت دعوة الأمم المتحدة إلى أن يكون هذا التاريخ موعدا سنويا لليوم العالمي للتسامح، وكذلك صدرت وثيقة مؤتمر القمة العالمي بضرورة التزام الدول الأعضاء بالعمل على النهوض بحرية الإنسان ورفاهيته، وأن تشجّع الدول التسامح والحوار والتعاون بين الأفكار والثقافات المختلفة، وأن التسامح لا يعني التساهل أو عدم الاكتراث، بل هو احترام التنوعين، الثقافي والإنساني، وتقديرهما، وأن التسامح يعترف بكل حقوق الإنسان العالمية والحريات الأساسية.

لم يشعر كثيرون في بلادنا بتلك المناسبة، ولم يتحدث عنها كثيرون، ونادرا ما سمع عنها أحد في بلادنا إلا ربما بعض المتابعين لنشرات الأخبار والبرامج الحوارية، فليس لمفردة التسامح، بشكل عام، مقدار كبير في بلادنا. ولكن ليس معنى ذلك أن فكرة التسامح حكر على الثقافة الغربية، فللغرب أيضا سجل طويل من جرائم الكراهية والتعصب، حتى بين بعضهم بعضا. ولا يزال هناك تصاعد في مناطق كثيرة لخطاب اليمين المتعصّب، ولكن الفارق أنهم توصلوا إلى قيم الحرية والمساواة والتعايش، بعد مئات السنوات من الحروب الدموية والعالمية، كما أن الفكر المتطرّف الرافض للآخر يسمّى لديهم فكرا متطرّفا، وليس هو الأغلبية، كما أن لديهم وسائل سلمية لحسم الصراع، وليست كل الصراعات لديهم صفرية، كما أن الخطاب الذي يحضّ على الكراهية لديهم مستهجن، فيما هو يعتبر الخطاب المفضل والرسمي أحيانا في بلادنا العربية.

والمثير للسخرية الاحتفاء المبالغ فيه لدى بعض وسائل الإعلام وفضائيات حكومية أو موالية لحكومات عربية لديها سجل طويل في التحريض على الكراهية. مذيعون كالببغاوات يردّدون كلاماً جميلاً منمقاً عن اليوم العالمي للتسامح، مع إضافات وبهارات تتحدّث عن دور الزعيم أو الملك أو العاهل أو الأمير في دعم قيم التسامح والتشجيع عليه. ويبدو أن الأمر بشكل عام كان واجباً روتينياً لا بد من أدائه كل عام، نتيجة الالتزام ببيان الأمم المتحدة الذي يحثّ الدول الأعضاء على الحديث عن التسامح وأهميته في نوفمبر/ تشرين الثاني من كل عام.

وسائل إعلام سعودية موالية تحتفي باليوم العالمي للتسامح، على الرغم من جريمة تصفية خاشقجي!

كانت هناك وسائل إعلام سعودية موالية تحتفي باليوم العالمي للتسامح، على الرغم من جريمة تصفية جمال خاشقجي، وعلى الرغم من التقارير الدولية عن التنكيل بالفتيات المعارضات المعتقلات وغيرهن. ووسائل إعلام إماراتية تحتفي باليوم العالمي للتسامح، على الرغم من كل ما تفعله دولة الإمارات في وأد كل مطالب الحرية والديمقراطية في الوطن العربي. وتحتفي وسائل إعلام مصرية كذلك بيوم التسامح، على الرغم من كل تلك الكراهية لثورة يناير وقيم الحرية والديمقراطية، وعلى الرغم من كل ذلك التحريض والتضييق على المجتمع المدني، وكل ذلك الانتقام الذي نراه.

منطقتنا المنكوبة التي يتصارع فيها الجميع مع الجميع منذ عشرات ومئات السنين، يدخل الجميع صراعات صفرية من أجل الفوز فقط، ليس من السهل أن تجد في مجتمعاتنا من يعترف بالتنوّع والاختلاف وضرورة احترام الآخر. انظر سريعا لتجد صراعاتٍ عديدة ومتنوعة ومتشابكة، صراعات ذات غلاف ديني بين السنة والشيعة على النفوذ، وصراعات أخرى بين السنة والسنة، صراعات دموية بين المناضلين على من الذي يتصدّر الصورة أو على الأيديولوجيات واللافتات. مشاحنات وخلافات طائفية كل فترة بين مسلمين ومسيحيين. القوميون العرب ومن يخالفهم، الشيوعيون ومن يخالفهم، وصراعات التيارات الإسلامية مع من يخالفها، حتى لو كان من داخل التيار الإسلامي، بل وتيارات وأحزاب كثيرة تدّعي الليبرالية ضد من يخالفها.

الثقافة السائدة بعيدة كثيرا عن التسامح؛ فعلى المستوى الشعبي في دول عربية عديدة يمكن رصد خطاب شعبي يشجع الكراهية

ولكن هل كان الوضع سيختلف، لو كان هناك بالفعل تطبيق عملي لقيم التسامح في بلادنا ومنطقة الشرق الأوسط؟ أعتقد أنه لو كان هناك تطبيق حقيقي لقيم التسامح، لكنا تجنبنا سنواتٍ كثيراً من الصراعات الصفرية والدموية في مناطق عديدة. تخيّل معي مجرّد خيال رومانسي، كيف سيكون الحال، لو كان تطبيق حقيقي لقيم التسامح مع المعارضين للسلطة في الدول العربية؟ تخيّل لو لم يكن القمع هو السلوك السائد، وهو الحل الأسهل لدى الحكومات. تخيل معي، لو لم تكن الأنظمة السلطوية العربية تُمارس كل هذا التحريض والحثّ على الكراهية ضد المعارضين لسياسات السلطة، أو لم يكن هناك كل إجراءات التنكيل بكل من يقول رأيا مخالفا؟ وكذلك أيضا إن لم يكن هناك خطاب شعبوي مبالغ فيه لدى بعض الفصائل، يحضّ على كراهية من هم في السلطة ويستخدم أساليب السلطة نفسها.

كيف سيكون الحال إن كانت هناك شعبية أكثر لفكرة الحلول الوسطى أو مبدأ win-win solution، فدائما يتم رفض التنازل، ولو قليلا، من أجل الوصول إلى حل وسط يوقف الخسائر وإراقة الدماء، ليس هناك مكان للتسامح أو الحلول الوسطى في مجتمعاتنا. وبالتالي، من الصعب الحديث عن حلول مثل العدالة الانتقالية وحل الصراعات بشكل سلمي، أو اللجوء للتفاوض بدلا من الصراعات الصفرية، ليس فقط في السياسة، ولكن أيضا في الحياة اليومية للمواطن العادي. ستجد أن الثقافة السائدة بعيدة كثيرا عن التسامح؛ فعلى المستوى الشعبي في دول عربية عديدة يمكن رصد خطاب شعبي يشجع الكراهية، أو ممارسات عنصرية ضد الآخر، أو ضد الأقليات أو ضد جنسيات أخرى، أو ضد اللاجئين العرب أو الأفارقة الذين هربوا من ويلات الحروب.

(2)

العجيب أن تلك الأيام التي نعيشها تجد كثيرا من التسامح لدى حكومات عربية تجاه "إسرائيل"، الدولة التي اغتصبت الحقوق الفلسطينية ولا تزال، الكيان الذي يعيش على العنصرية والكراهية، والذي لم يتوقف يوما عن ظلم الفلسطينيين وقتلهم واغتصاب أراضيهم وحقوقهم. يغيب التسامح مع المعارضين من أبناء الوطن، ولكنه يظهر فقط مع الأعداء الذين يفترض بهم أنهم يتآمرون على أوطاننا.

يزعم بعض أنصار السلطويات أن تطبيع العلاقات السياسية والاقتصادية سيزيد من أوراق الضغط العربية على "إسرائيل" من أجل دعم الحقوق الفلسطينية

يتعجّب بعضهم من هرولة الحكام العرب إلى التطبيع مع العدو الذي ظل سنوات العدو الأوحد. ولكن لا عجب من ذلك، فهؤلاء الحكام يعتبرون مصالحهم وأطماعهم الشخصية هي أولويات الدولة وأمنها. وبالتالي، تثبيت حكمهم هو فقط مصلحة الدولة، وإذا كان التطبيع مع العدو المغتصب سيثبت حكمهم وتطويل بقائهم فوق العروش فلذلك يتم تسويق أن التطبيع مع العدو هو قمة الوطنية. أما حديث التآمر فيمكن استبداله برواياتٍ وفقاعاتٍ جديدةٍ كل فترة، وقصص يتم خلط الحق بها بالباطل، حتى يزيد خوف الناس من المجهول.

إنها سياسة الهرولة التي يحاول ترامب تنفيذها على أرض الواقع قبل رحيله، فيكون هذا هو إنجازه الأكبر لتعويض الفشل الداخلي، وهي أيضا سياسة الأمر الواقع ومزيد من التوريط التي ينتجها نتنياهو لبناء مزيد من المستوطنات قبل مجيء الرئيس الأميركي المرتقب، بايدن، وهي السياسة نفسها التي دفعت "إسرائيل" إلى اغتيال عالم نووي إيراني بعد ضوء أخضر أميركي، حتى يتم إشعال الموقف وتزيد التعقيدات قبل مجيء بايدن.

التسامح فضيلة، ولكن لا يجب أن يكون مرادفاً للضعف والخذلان والتخلي عن الحقوق

يزعم بعض أنصار السلطويات أن تطبيع العلاقات السياسية والاقتصادية سيزيد من أوراق الضغط العربية على "إسرائيل" من أجل دعم الحقوق الفلسطينية، وهذه كلمة يُراد بها باطل، فإذا كان هذا صحيحا، فلماذا التطبيع الثقافي والاجتماعي وكل تلك الحميمية الظاهرة والباطنة. والسؤال الآخر: هل يجرؤ هؤلاء على الضغط على "إسرائيل" يوما ما؟ أو ليست "إسرائيل" الآن هي الحليف الذي يقوم بحمايتهم من إيران؟ أو ليس نتنياهو هو الوسيط الذي تدخل، واستخدم اللوبي الصهيوني من أجل استئناف المعونات المحجوبة؟

وعودة إلى موضوع التسامح وهو فضيلة، ولكن لا يجب أن يكون مرادفا للضعف والخذلان والتخلي عن الحقوق. الجبن والهرب والرضوخ للعدو القوي ليست تسامحا، بل يمكن أن تكون مرادفات لفكرة العفو عند المقدرة، والسعي إلى الوصول إلى صيغة للتعايش، بدلا من المواجهات العبثية، صيغة يكون الجميع فيها فائزا بقدر الإمكان.

كيف يكون هناك تسامح بدون إعادة للحقوق، وبدون إيقاف للظلم، وبدون الوصول إلى صيغة عادلة؟