هل فعلها باسم عوض الله؟

هل فعلها باسم عوض الله؟

19 يونيو 2021
الصورة
+ الخط -

تنشر وكالة الأنباء الأردنية (الرسمية)، الأحد الماضي، أن النائب العام في محكمة أمن الدولة صادق على "قرار الظن" (لائحة الاتهام) الصادر عن مدّعي عام المحكمة، في القضية المعروفة إعلاميا بقضية الفتنة، المتعلق بالمشتكى عليهما، باسم عوض الله والشريف زيد بن حسين. وتنشر الوكالة هذه اللائحة. وبعد ثلاثة أيام، "يتسرّب" لمواقع إلكترونيةٍ محليةٍ نص "اعترافات" باسم عوض الله، في إفادته بخط يده، المنشورة مصوّرة. وفي الخبرين، الحكومي و"المسرّب"، كثيرٌ من المفاجئ، بشأن القضية التي نجمُها الأبرز الأمير حمزة بن الحسين. وفي البال أن الصحافي، فهد الخيطان، كان قد وعد الأردنيين بأنهم "سيُصدَمون" من "اعترافات" عوض الله عند نشرها، في مقال له، أياما قبل تسلّمه إدارة الإعلام في الديوان الملكي.

يحدُث هذا القليل من "الشفافية" الحكومية الأردنية، في شأن قضيةٍ حسّاسة، وفيها أبعاد أمنيةٌ واستخباريةٌ خاصة، فيما بقي على قناعتهم أولئك المعتصمون بأن القصة كلها "مطبوخةٌ"، وأن ثغراتٍ كثيرةً فيها لا تجعلها مقنعةً، وأن الغرض منها إحراج الأمير حمزة، المحبوب، و"حرق" صورته، وأن زجّ الوزير السابق، الرئيس السابق للديوان الملكي، المقدسي الأصل، غير المحبوب، باسم عوض الله، في هذا "الفيلم" لا يستقيم أبدا، فلا يمكن تخيّل صلةٍ له بالأمير حمزة، سيما في أمرٍ من هذا الوزن الثقيل. وبمعاينةٍ مسحيةٍ اعتباطيةٍ، مرتجلةٍ، بالإنصات إلى أردنيين كثيرين، في عمّان، غربيها وشرقيها، يلحظ من يفعل هذا أن القناعة هذه متفشّيةٌ، وعابرةٌ للطبقات والمستويات الاجتماعية، فإنك تعثر على نخبٍ مثقفةٍ تردّد هذا الكلام أو بعضه. وفي الوقت نفسه، تلْقى كثيرين من بسطاء الناس يجهرون بهذا، ويحدّثونك إن "قصصا" كهذه لا تمرّ عليهم، فكيف لعقلٍ راجحٍ، بحسب هؤلاء وبعض أولئك، أن يصدّق أن باسم عوض الله يمكن أن "يتآمر" على الملك، .. ومع الأمير حمزة!؟

التفسير الممكن، أو المتاح ربما، لهذه الحالة، هو تآكل مصداقية الدولة. إنك تشعر أحيانا أن لا وظيفة للسلطة إلا أن تكذب، لا تفعل شيئا سوى أن تكذب. وعندما تجادل في الأمر، فتقول، مثلا، إن الحكومة قد تكذب في موضع، وقد تصدُق في آخر، حسب "مصلحتها"، ستخسر السجال، لا لشيءٍ إلا لأن باسم عوض الله ليس غبيا، إلى هذه الدرجة الفادحة، حتى يورّط نفسَه في عمليةٍ فاشلةٍ من أول خيوطها (لا يأتي أحدٌ على الشخص الثاني في الملف، زيد بن حسين، وتشمل لائحة اتهامه، أيضا، حيازته مخدّراتٍ وتعاطيها). وأمرٌ يستحقّ الدرس والتفكيك أنَّ مقادير التشكيك بصدقية السلطة تفوق في زمن الثورة الرقمية وسيولة المعلومات وحريات الكلام غير القليلة ما كانت عليه في أزمنة الأحكام العرفية ووطأة الإعلام الأحادي وضيق مسارب الحرّيات العامة.

ولكن، لا يليق بالمشتغلين بالكتابة والثقافة والإعلام أن يستسلموا لقناعاتٍ سيّارة، ولأفكارٍ دارجة، وأن يتواطأوا مع العامّة، بدعوى وجوب المحافظة على المسافات المطلوبة من السلطة وإعلامها ومروّياتها. وإذا كان من العسير أن يُصَدَّق أن باسم عوض الله، الوزير النابه، والمقرّب جدا في وقتٍ سابق من الملك عبدالله الثاني، يمكن أن يرتكب حماقةً من النوع الذي تأتي عليه هذه السطور، بدعوى معرفةٍ مسبقةٍ بما كان عليه الرجل من ذكاء، في مرحلةٍ مضت، ففي الوسع فكّ هذه اللغز بالبديهية إياها، أن الناس تتغيّر، وتتبدّل، ويحدُث أن يغيّروا قناعاتهم، باقتناعٍ أو بغيره، فثمة شيوعيون صاروا إخوانا مسلمين، وثمّة ضباط مخابراتٍ صاروا معارضين، والعكس يحدُث أحيانا. ولا يؤتى، هنا، بأمثلةٍ كهذه للتسليم مسبقا بأن عوض الله فعلها، وتواصل منذ أكثر من عام مع الأمير حمزة، بتردّد الأخير دوريا إلى منزله (بحسب اعترافه بخطّ يده)، ليبثّ هذا له "حقده" على الملك، وإنما للقول إن الدنيا لا تمشي على مساطر محسومة، وإن حوادث يتحدّى تخيُّلُها العقل البشري، إلا أنها تحدُث (الكيفية المعلومة في تصفية جمال خاشقجي مثلا).

نواقصُ غير قليلة باقية، بعد "الجرعة" الإعلامية التي يسّرها نشر لائحة اتهام عوض الله وزميله، ثم تسريب "الاعترافات" أمام القاضي (في الثانية عشرة والنصف ظهر الخامس من نيسان) (!). والراجح أن فجوةً ثقيلةً ستبقى معمّى عليها، إلى حينٍ غير منظور، تتعلق بما قد يكون لولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، من "صلةٍ ما" في الملف كله، ليس فقط لأن عوض الله يعمل لديه، وإنما أيضا لما نشره ديفيد أغناتيوس، أخيرا، في "واشنطن بوست"، متكئا على مصادر أميركيةٍ، ولما نشره غيرُه في "الغارديان" وصحفٍ أجنبيةٍ أخرى .. وأيا كان الحال، قادم الأيام يحسم، تماما، إن فعلها باسم عوض الله أم لم يفعلها.