هل غار ترامب من ممْداني فأغار على فنزويلا؟

08 يناير 2026
+ الخط -

حفل تنصيب زهران ممْداني عمْدةً لبلدية نيويورك، يقسم على القرآن، على شماله زوجته السورية الأصل، راما دوجي، وعلى يمينه النائب اليساري بيرني ساندرز. والخطاب القصير لزميلته النائبة ألكساندريا أوكاسيو- كورتيز، وقصيدة الشاعر كورنيليوس إيدي ذات المضمون الثوري... والجمهور الشعبي الحار يؤازره. كيف تتخيّل خطاب تنصيبه؟ كيف يتوجّه إلى هذا الحشد؟

"أنتم الى جانبي... تبعثون شعلة الأمل" يقول لهم. يعدّد أماكنهم: في المطابخ الضيقة، في صالونات الحلاقة، في سيارات التاكسي، في المستشفيات... يصف أنشطتهم: عمّال بناء، باعة متجولين، جيران يقدّمون الطعام للمسنّين، يجرّون عربات الأطفال في المترو، نيويورك هي مثل بيت العائلة لديهم... إنهم القادة النقابيون، ناشطون في الحركات الاجتماعية، فنانون، عمداء نيويورك السابقون...أمه وأبوه، عائلته الموسعة في الهند، زوجته راما، التي يصفها "صديقتي المفضلة"، أهل نيويورك... كل هؤلاء يشكرهم ممْداني.

ثم يصف ما يدور في عقله: "من الآن فصاعداً، سنحكم بجرأة (..). قد لا ننجح دائماً، ولكننا لن نُلام على افتقارنا إلى شجاعة المحاولة (...) لقد انتظرنا القطاع الخاص أكثر من اللازم، وقبلنا على مضض رداءة خدمات القطاع العام. ولا يمكننا أن نلوم هؤلاء الخائبين من الدولة بأن يهتزّ إيمانهم بالديمقراطية بعد عقودٍ من الخمول".

ويتساءل: "نيويورك ملك من؟" فيجيب: "إنها ملك الأغنياء". والعمّال هم الذين يتحمّلون العواقب: حيث "الفصول الدراسية المكتظَّة، والمساكن الاجتماعية (ذات الأجور المنخفضة) ذات المصاعد المعطّلة، والطُّرقات المثقوبة المليئة بالحُفر، والحافلات المتأخّرة بنصف ساعة، إذا وصلت، ورواتب مجمّدة لا ترتفع، وشركات تستغل المستهلكين والموظفين على حد سواء".

يستشهد ممْداني بقول لنلسون مانديلا: نيويورك الطبيعية يجب أن تكون "مُلكاً للذين يعيشون فيها". يريد أن يكتب مع أهلها تاريخاً جديداً. مدينة "لا يحكمها الواحد في المائة من الأكثر ثراء". لا مدينة منقسمة بين فقيرة وأخرى غنية. إنما مدينة بثمانية ملايين ونصف مدينة. كل واحدةٍ منها دنيا قائمة بذاتها، كل واحدة منها مرتبطة بالأخرى بـ"رباط حميم".

وعن القصة التي سيؤلفها أولئك النيويوركيون الجُدد سيتحدّثون بكل اللغات، سيصلّون في المساجد والكُنس اليهودية والكنائس المسيحية و الغُرْدْوارات (السيخ) المانْديرات (الهندوس)، "وكثيرون لن يصلّوا على الإطلاق". ويعدّد كل جنسيات الدنيا العائشة في نيويورك. ويخصّ بالذكر النيويوركيين الفلسطينيين، "المقيمين في باي ريدج الذين لن يعانوا سياسةً تبشّر بالعالمية في حين تضعهم في مرتبة الإقصاء".

يحلم ممداني بأن تكون نيويورك مدينة "لا يحكمها الواحد في المائة من الأكثر ثراء"

خطاب ممْداني طويل. يدوم نصف ساعة. لكننا فهمنا فحواه. لنقارنه الآن بخطاب تنصيب ترامب قبله بسنةٍ واحدة.

لم يضف ترامب الى خطاب التنصيب الأول جديداً، إلا المزيد من الأنا. والتصفيق الحادّ الذي يتخلّل كل مقطع من مقاطع هذا الخطاب. سيادته، أمنه، عدله، غيرة الأمم كلها منه، أميركا التي هي قبل كل العالم. وأن أمتنا الفخورة، المزدهرة، الحرّة. وأن أميركا التي ستكون أعظم، أقوى، أكثر استثنائية من أي وقت مضى. وإننا على مشارف عصر جديد من النجاح الوطني. ثم الحملة على المهاجرين غير الشرعيين: المجرمين الخطرين، خرّيجي السجون ومستشفيات الأمراض النفسية. وحكومة تدافع عن الحدود الأجنبية. وإن عصر تراجع أميركا انتهى. وإن خليج المكسيك سيسمّيه "خليج أميركا"... وإن الله أنقذه من محاولة الاغتيال لكي "يعيد إلى أميركا عظمتها". ويكرّر "تاريخ انتخابي هو.... كذا وكيت"، وإن تاريخ إلقائه هذا الخطاب "هو يوم التحرير"، وإنه سيبقى في الذاكرة "أهمَّ يوم في تاريخ بلادنا، أكثرَ الأيامِ جوهرية"... ويشكر... ويشكر... يشكر الجمهور المصفِّق.

على كل حال، ما لحق من هذا الخطاب أكثر دلالة. ما لم يقله ترامب في هذا الخطاب الذي أفصح عن جوهره، قاله بكل حركته، التي بتنا نعرفها: هوسه بنفسه، بالمهاجرين، بجائزة نوبل، بالديكتاتوريين، بماضي أميركا "العظيم"، بالأمن، باليسار "الشيوعي، الإرهابي، الأنتي فاشيستي"، بالنساء... هذا كله وأكثر يفصح عما في دواخله.

من صغر عقله، يقارن ترامب "جماله" بجمال ممْداني الأصغر منه بأكثر من أربعة عقود: "أنا أجمل بكثير"

أما غارته أخيراً على فنزويلا، واختطافه رئيسها وزوجته... توقيته هذه الغارة، في زحمة الملفات العالمية التي فتحها ولم يحل ولا واحدة منها... فله تفسيرات كثيرة: الهروب من ملف الفضيحة الجنسية (أبستين)، من نتائج الانتخابات النصفية، من تراجع شعبيته، أو بناء أوهام جديدة حول شعاره الانتخابي "لنجعل أميركا عظيمة ثانيةً!". ولكننا نرى أن أهم سبب أو الأكثر إلحاحاً، هو الغيرة من ممْداني، من زوجة ممْداني التي ألهمت الجيل "زد" بكل ما هو عكس "السيدة الأولى"، السيدة ميلانيا ترامب؛ بهندامها، بشبابها، ببساطتها، بكعب جزمتها المنخفض، بمهنتها المحترمة، بشعرها الذي لا يحتاج إلى مصفّف، بالكحلة العربية في عيونها...

لنبقَ في غيرة ترامب من ممْداني نفسه: صحيحٌ أن "جناحاً يسارياً" كان قبل صعود ممْداني في الحزب الديمقراطي الذي يتقاسم السلطة مع الحزب الجمهوري الحاكم. وأشهرهم شاركوا في حفل تنصيبه كما ذكرت آنفاً. لكن الدفع الذي يعطيه ممْداني، في هذا الوقت بالذات، نادرٌ وهادرٌ. لماذا؟... لأن الذين لا ينضوون تحت راية القمع الأميركي أو "الدولي"، والذي يشيحون النظر عن الديمقراطية الغربية، الأميركية والأوروبية التي تلحقها... لن يجدوا غير دولٍ حكمها أعداء المساواة والديمقراطية. ضع جانباً الهند وإيران. يبقى روسيا والصين. الأولى أصبحت في مرتبة الدولة الكبرى الضعيفة والثانية هي المرشّحة لتولي قيادة العالم، كما يخشى ترامب نفسه.

ولكن الصين يحكمها حزبٌ ليس "شيوعياً"، إلا بوحدانيته، بسيطرته التامة على الدولة والجيش، والرأي العام. شيوعي أيديولوجي على الطريقة الخمينية: يؤجّل المساواة والسعادة، أي "ديكتاتورية البروليتاريا" إلى المدى الأبعد غير المنظور، بعد صراع مع "الليبرالية البرجوازية". وهو أيضاً حزب حاكم غير شيوعي، بمعنى أنه يمسك بزمام رأسمالية الدولة المستبدّة: حيث الملكية الخاصة، وأصحاب المليارات، والشركات المتعدّدة الجنسيات، وانعدام تام للمساواة، وعبودية العمل المأجور، والسوق النقدية والاندماج في الرأسمالية العالمية، وسيطرة القطاع الخاص.

 اشتراكية- ديمقراطية ممْداني تدمج اقتصاد السوق في تدخل الدولة لتأمين العدالة الاجتماعية، والمساواة بالفرص وحماية الأضعف

ويمكن تصوّر اليأس الذي يصيبنا من أفقٍ كهذا. ويأتي ممْداني ليقول لنا إن ثمّة إمكانية في أن يكون هناك اشتراكية- ديمقراطية. وبتلخيص خطابه ومختلف كلماته، يمكن القول إن اشتراكية- ديمقراطية ممْداني، تدمج اقتصاد السوق في تدخل الدولة لتأمين العدالة الاجتماعية، والمساواة بالفرص وحماية الأضعف، مع احترام الديمقراطية البرلمانية والحرّيات الفردية.

ممْداني هو الأمل بوجه انسداد الأفق الصيني، وتحوّله إلى مجرد بعبع أوتوقراطي، موعود بحكم الكوكب كله.

ليس خطراً على ترامب وبرنامجه فحسب. أو نقيضاً له. إنما هو موضع غيرته الشديدة. من صغر عقله، يقارن "جماله" بجمال ممْداني الأصغر منه بأكثر من أربعة عقود: "أنا أجمل بكثير". ولا أستبعد أن يغار من كونه زوجاً لفنانة شابة، وأنه احتلّ في الآونة الأخيرة صدارة المشهد، وأنه يتحدّى أعمق ما "يؤمن" به، أي حكم أصحاب المليارات. وقد لا أغالي في القول إنه شنّ ذاك الهجوم المفضوح على فنزويلا، لإزاحة ممداني عن الخشبة، فوق أن هذا الهجوم يسمح له بنهب ثروات فنزويلا كما لم ينهب قبله كل عتاة الاستعمارين القديم والجديد.