هل تقرع أنقرة أبواب "شنغهاي"؟

هل تقرع أنقرة أبواب "شنغهاي"؟

03 أكتوبر 2021
الصورة
+ الخط -

مازح الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، نظيره الروسي، فلاديمير بوتين، قبل ثمانية أعوام أمام الكاميرات بقوله: "اقبلونا في منظمة شنغهاي لنتخلّص من أعباء العضوية الأوروبية". وكان رئيس الوزراء الأسبق، أحمد داود أوغلو، هو الذي ردّد، في عام 2013، أن بلاده ستكون عضوًا في عائلة تتألف من بلدان عاشت معًا ليس قرونًا وحسب، وإنما لألف عام. وكان أتراك كثيرون يجهلون وجود منظمة شنغهاي للتعاون، والتي قامت في عام 2001، وتضم حاليا تسع دول، منها الصين وباكستان وروسيا والهند وإيران. وقد كرّر الرئيس أردوغان، في طريق عودته من زيارة إلى باكستان وأوزبكستان قبل خمس سنوات، موقفه هذا بطريقة أكثر جدّية "الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي ليس خيار أنقرة الوحيد، ولا بدّ من مناقشة مسألة العضوية التركية في منظمة شنغهاي التي تعطينا مساحة أوسع في حرية الحركة والعمل".

ما كان يقوله الرئيس التركي وقتها هو رسائل إلى المجموعة الاوروبية، ردّا على أصوات دعت من هناك إلى تجميد مفاوضات انضمام تركيا إلى الاتحاد، ولكن التصريحات التركية المتزايدة أخيرا في موضوع شنغهاي موجهة إلى الولايات المتحدة وقيادتها الحالية التي بدأت تقلق أنقرة بسبب تضارب المواقف والمصالح الثنائية والإقليمية في أكثر من مكان، فليست التصريحات كلاما في لحظة غضب أو هبّة ريح ستمر بسهولة.

تصريحات تركية متزايدة في موجهة إلى الولايات المتحدة وقيادتها الحالية التي بدأت تقلق أنقرة بسبب تضارب المواقف والمصالح الثنائية والإقليمية في أكثر من مكان

بدّلت أنقرة منذ أشهر مواقف كثيرة لها في التعامل مع ملفات إقليمية ودولية، كانت تتحكم في بوصلة سياستها الخارجية. هل تصل الأمور إلى إعادة تعريف الحلفاء والشركاء وتوصيفهم، والانتقال من دائرة استراتيجية تبنّتها عقودا إلى دائرة أخرى تغامر وتلتحق بها. منظمة شنغهاي مثلا التي استقبلت إيران عضوا إقليميا جديدا في صفوفها، هل هي بين الخيارات التركية المحتملة، ما دامت أميركا وأوروبا لا تعطيان أنقرة ما تريده؟

يحاول بعضهم في صفوف قيادات حزب العدالة والتنمية (الحاكم) إقناع نفسه بأن أميركا لن تفرّط بحليف إقليمي بوزن تركيا وقيمتها، وأن واشنطن ستبقي التوتر والتصعيد القائم تحت سقف معين، فإذا كانت إدارة الرئيس الأميركي، بايدن، خيبت آمال الغرب في ملف أفغانستان بعد انسحابها السريع والمفاجئ، وإذا كانت فرنسا تدرس الانسحاب من حلف شمال الأطلسي بعد الطعنة الأميركية لها في صفقة الغواصات النووية مع أستراليا، وإذا كانت هذه هي اللغة الأميركية الجديدة في التعامل مع الحلفاء والشركاء، كما تفيد التحليلات الغربية المتزايدة، وإذا كان الدور سيأتي على تركيا عاجلا أم آجلا، فلماذا ستتردد أنقرة في قرع أبواب منظمة شنغهاي؟

إذا ما قرّر ماكرون فعلا التحرّك لحفر قبر حلف شمال الأطلسي، كما يقال في باريس، وحاولت واشنطن طرح خيارات بديلة للحلف، كما تفعل اليوم مع بريطانيا وأستراليا والصين، فسيكون من حق أنقرة، من دون تردّد، البحث عن بدائل وخيارات استراتيجية جديدة لها، فهل "شنغهاي" بين الاحتمالات؟

تعلن موسكو وبكين أن في مقدور تركيا الانضمام إلى مجموعة شنغهاي، لكن عليها أولا حسم موضوع علاقاتها مع حلف شمال الأطلسي

منظمة شنغهاي تكتّل متعدّد الأهداف والجوانب، تضم تسع دول تملك أوراق التأثير في التوازنات الاقتصادية والعسكرية والسياسية وخطوط الطاقة والتجارة في العالم، بعكس ما كانت عليه الأمور عام 1996 عند الانطلاقة الأولى للتعاون. 42% من احتياطي الغاز و25% من احتياط النفط في العالم، والتكتل الأقوى في مواجهة النظام الأحادي الأميركي بعد عام 1990. وهناك لعبة توازنات جديدة في آسيا بعد انضمام الهند وباكستان وإيران إلى هذا التكتل الأقوى اليوم في القارّة، وأنقرة تحتاج إلى حماية مصالحها، فما الذي يحول دون الجلوس أمام طاولة التفاوض مع هذا الحلف الآسيوي؟

تركيا في شنغهاي يعني الالتحاق بتكتل بشري اقتصادي عسكري، يوفّر لها مزيدا من الفرص في التمدّد والانتشار والصعود الإقليمي. أكثر من مائة مليار دولار من التبادل التجاري مع دول المجموعة الآسيوية قد يكون ممكنا، وكذلك الانخراط في اقتصاد دولي تزيد ميزانيته عن 900 تريليون دولار، ويضم 45% من عدد سكان العالم، كما أنّ التقارب التركي الروسي تحت سقف شنغهاي قد يقود إلى تعميق العلاقة الاقتصادية بين البلدين، وإزالة التباين في المصالح الاستراتيجية بينهما، بدءاً من سورية والمسألة الأوكرانية والقرم، وقد يتحوّل إلى فرصة لوساطة روسية حقيقية، باتجاه تسوية الصراع الأرمني الأذري، والتوتر الدائم في البلقان والقوقاز، خصوصا بعد التحاق طهران بالتكتل.

تعلن موسكو وبكين أن في مقدور تركيا الانضمام إلى مجموعة شنغهاي، لكن عليها أولا حسم موضوع علاقاتها مع حلف شمال الأطلسي، فبين الأهداف الأساسية للمجموعة تشكيل قوة عالمية قادرة على مواجهة النفوذ الغربي والقوة العسكرية للحلف الذي يعتبر الجيش التركي القوة العسكرية العددية الثانية فيه بعد الأميركي. وتسعى واشنطن إلى تفعيل حوار الرباعي "كواد" مع اليابان وأستراليا والهند، وهي تعرف أن الأخيرة لاعب أساسي في "شنغهاي". لن يكون من حقها إذا الاعتراض على عضوية تركيا في المنظمة، حتى ولو كانت أطلسية، لأن واشنطن هي من يخرق القواعد وبنود الاتفاقيات والتفاهمات هنا.

لن يغامر أردوغان وحزبه اليوم بمحاولة تغيير دفّة السياسة الخارجية التركية وبنيتها وأسسها

 

التحقت تركيا بالمنظمة عام 2013 شريكا في الحوار، وكانت الدول الأعضاء متحمسة لفتح الباب أمام أنقرة على الرغم من التوتر التركي الروسي عام 2015، والتباعد التركي الصيني في ملف الإيغور، فتركيا، في نظرهم، هي الثقل الإقليمي الاستراتيجي القادر على قلب التوازنات في أوروبا و"الناتو". ومع ذلك، لم تقدم تركيا على الخطوة المنتظرة. مشكلتها هي الأرقام التجارية والاقتصادية وحجم التباعد والمنافسة بين مشاريع المجموعة الآسيوية والغرب وخططهما وطروحاتهما في العلاقة مع أنقرة. نصف التجارة الخارجية التركية هي مع أوروبا مقابل 10% فقط مع مجموعة شنغهاي اليوم، فمن يضمن لأنقرة أخذ ما تريده من "شنغهاي" اقتصادياً؟ كما أن إيران في "شنغهاي" ستلتزم بقرارات المجموعة وسياساتها، لأن مصالحها ووضعها الإقليمي اليوم يتطلبان ذلك. نقاط التقاء المصالح بين إيران والمنظمة أكثر بكثير من فرص تركيا، خصوصا في سورية والعراق، وآسيا الوسطى والقوقاز والبلقان. تركيا لن تقبل أن تفعل الشيء نفسه الذي تفعله طهران، مخافة الانتقال من تحت "الدلف" الغربي إلى "المزراب" الشرقي. كما أن مشكلة أنقرة التي تتحرّك كأم العروس في هذه الآونة أنها قد تفقد كلا الورقتين، الغربية والشرقية، إذا ما ارتفع عدد دول منظمة شنغهاي، والتحقت دول آسيوية أخرى، محسوبة على الاتحاد السوفييتي القديم، وقرّرت استخدام حق النقض في قبول العضوية التركية.

ارتفاع عدد خيبات الأمل في العلاقات بين تركيا والغرب هو الذي سيقود إلى اصطفاف إقليمي جديد، مرتبط بالتوجه التركي نحو الشرق الآسيوي وتعزيز العلاقات مع روسيا والصين والانفتاح أكثر فأكثر على منظمة شنغهاي، لكن انعطافة استراتيجية بهذا الحجم والأهمية لن تُقدم عليها حتما حكومة "العدالة والتنمية"، وهي تعاني من أزمات اقتصادية وسياسية داخلية وخارجية، وحيث قوى المعارضة تتربّص للانقضاض عند أول هفوة تُرتكب. أردوغان وحزبه اللذان يعانيان في ملفات سياسية واقتصادية، وحيث شعبيتهما في تراجع مستمر، كما تقول المعارضة التركية، لن يغامرا اليوم بمحاولة تغيير دفّة السياسة الخارجية التركية وبنيتها وأسسها.