هل تغادر تونس انتقالها الديمقراطي؟

هل تغادر تونس انتقالها الديمقراطي؟

15 نوفمبر 2021
الصورة

احتجاج في العاصمة تونس ضد إجراءات قيس سعيّد (14/11/2021/الأناضول)

+ الخط -

تسود سردية محبطة تفيد بأن أمراض تونس الحالية ناجمة عن انتقالها الديمقراطي. يقدم الإعلام وبعض النخب ما يتوهمان أن ما حلّ بتونس ناجم عن خطواتها المقطوعة في ديمقراطيتها الهشّة، يعرضون كل العيوب التي نجمت عنها: الفقر والتهميش وارتفاع معدل الجريمة وتلاشي هيبة الدولة والهجرة غير الشرعية إلخ. كل هذه القضايا البنيوية التي يعود بعضها إلى ما قبل الثورة بعقود تنسب إلى عشرية الانتقال الديمقراطي. تشتغل آلة التضليل فتعمد إلى تسمية العشرية الفارطة العشرية السوداء، أو عشرية الفساد. تمحو هذه التسمية ذات الاستراتيجية الماكرة كل ما راكمته البلاد من مكاسب ديمقراطية: دستور وحقوق الإنسان، وحريات شخصية ومدنية وانتخابات حرّة ونزيهة، وغيرها من فضائل هذا الانتقال. بفضل هذه التجربة، انضمت تونس إلى نادي الدول الديمقراطية وتبوأت مرتبة جيدة، كما حازت مكانة تليق بتجربتها، بفضل هذا الانتقال الديمقراطي ذاته أيضا حظيت بكثير من التعاطف والتقدير الدوليين.
أخفقت النخب المتعاقبة في تسويق تجربة انتقالها، حتى أن بعضهم جافاها، بل وعاقبها، حتى شعرنا أن التجربة محاصرة، ولم يقف معها إلا قليلون، وهم يرون أن معضلات البلاد الاقتصادية والاجتماعية تنعش الديمقراطية المرتبكة. وإذا كان موقف بعض البلدان العربية مفهوما، لاعتباراتٍ تتعلق جلها بالخوف من جاذبية التجربة وتهديدها ضمنيا لمصالحها، على الرغم من أن الثورة لم تنشغل بغيرها، وكانت محض محلية. لقد ظلّ موقف الاتحاد الأوروبي غريباً، إذ لم يستثمر في إنجاح التجربة بالحجم الذي استثمره في دعم الاستبداد والأنظمة المتسلطة.

خروج تونس من انتقالها الديمقراطي سيقودها إلى كلّ المآلات المخيفة التي تنتهي إليها الأنظمة الاستبدادية

يتم حالياً من خلال شبكات التواصل التي تنشّطها كتائب إلكترونية مستعدة لسحل خصومهما والتنكيل بهم وشيطنة التجربة، حتى أنّ الرئيس قيس سعيّد لم يتردّد في شتم الانتقال الديمقراطي، ونعته بـ"انتقال من فساد إلى فساد". وبقطع النظر عن دقة هذا الكلام، فإنّ الفكرة التي يحرص عليها منظّرو الانقلاب وحشدهم الشعبي ترذيل الانتقال الديمقراطي برمته والخروج منه.
في هذه المناخات المتحرّشة بالانتقال الديمقراطي، يتم تحريض الناس على الخروج منه وإغلاق قوسيه نهائياً. لكن لا أحد يعرف الوجهة التي يدفعوننا إليها. ومع ذلك، في وسعنا توقع ملامح المسلك الذي يرسمونه لنا، لا يقتضي الأمر كثيراً من النباهة. ثمّة مؤشراتٌ عديدة تشي أنّ البلاد إن خرجت من انتقالها الديمقراطي لن تكون المحطة المقبلة سوى الاستبداد والشعبوية التسلّطية. لا يحرص حرّاس ما بعد 25 جويلية (25 يوليو/ تموز، يوم أعلن قيس سعيّد إجراءاته) على تصحيح تجربة الانتقال الديمقراطي، كما يقول بعض منهم من حين إلى آخر، بل إنّهم يقودون التونسيين إلى شموليةٍ لا تؤمن بأدنى مبادئ الديمقراطية: الحوار، التعدّدية، الاختلاف، المواطنة... إلخ. يخون الخطاب الحالي كلّ مخالف، ولا يرى في أيّ معارضةٍ حتى ولو كانت ناعمة، سوى مؤامرة.
لذلك، خروج تونس من انتقالها الديمقراطي سيقودها إلى كلّ المآلات المخيفة التي تنتهي إليها الأنظمة الاستبدادية. لم يهتم راسمو مرحلة ما بعد 25 جويلية بما يمكن أن يقدّموه من بدائل عن تلك الحقبة التي يرجمونها، وكان اللفظ قد استعمله رئيس الجمهورية، وهو يصف منظّمي التظاهرات التي جرت خلال الأسابيع المنصرمة. وقد نجح سعيّد في شلّ خصومه، حتى الأكثر قوة وحضوراً خلال السنوات الماضية، على غرار حركة النهضة والاتحاد العام التونسي للشغل ومنظمات المجتمع المدني، لكنّه ظلّ عاجزاً عن رسم ملامح الفترة المقبلة التي سيكون مسؤولاً أوحد عليها.

قضى في قرية عقارب شخصان في مواجهات عنيفة مع قوات الأمن استمرت قرابة أسبوع. وكانت المقاربة الأمنية خطأ فادحاً

جاءت الأحداث في قرية عقارب، إحدى ضواحي مدينة صفاقس، مؤشّراً على هذا الفشل الذريع في معالجة المشكلات المزمنة، ومنها قضية التلوث. رفض الأهالي، منذ عقود، أن تكون قريتهم مكباً للفضلات، وهي التي سجّلت آثاراً كارثية على صحة المواطنين، والتجأوا إلى القضاء الذي أنصفهم، حين أمر بغلق هذا المكبّ بالذات. وكان قيس سعيّد قد وعد الأهالي، قبل أن يصبح رئيساً، بإغلاقه، لو وصل إلى قصر قرطاج. تحوّلت مدينة صفاقس، في أقل من شهر ونصف الشهر، إلى مكبٍّ مترامي الأطراف. وعوض حلحلة الأزمة البيئية الخطيرة، استدعى سعيّد وزير الداخلية، وتم فتح المكبّ عنوة، وقضى في القرية شخصان في مواجهات عنيفة مع قوات الأمن استمرت قرابة أسبوع. وكانت المقاربة الأمنية خطأ فادحاً.
لا يؤمن الرئيس أنّ له شركاء وطن، قبل شركاء حكم، يستشيرهم ويستمع إلى آرائهم، فهم، حسب اعتقاده، رعايا عليهم السمع والطاعة، حين يصدر أوامره التي لا تنطق عن الهوى. إن ظلّت البلاد تغادر انتقالها الديمقراطي تدريجياً، فإنّها لن تذهب إلّا إلى الاستبداد.