هل تحتاج فلسطين منصب نائب الرئيس؟

هل تحتاج فلسطين منصب نائب الرئيس؟

08 مارس 2021
الصورة
+ الخط -

في ظل الترتيبات والتعقيدات التي تواجه الشعب الفلسطيني، وخصوصا في محاولته أخيرا استباق المصالحة بالانتخابات، تبرز مشكلات داخلية لكلا الفصيلين الأكبرين، حركتي فتح وحماس. وفي أمور الانتخابات، كما في أمور الحرب، قد يعرف المرء متى يبدأ، ثم من شبه المستحيل معرفة النتيجة النهائية فور انطلاق قطار الانتخابات.
جاء المرسوم الرئاسي بإجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية (ثم استكمال المجلس الوطني)، فيما نشر أن تفاهماتٍ تمت بين أمين سر "فتح"، جبريل الرجوب، ونائب رئيس المكتب السياسي لـ"حماس"، صالح العاروري، وأهم ما تضمنته الاتفاق على قائمة مشتركة للحركتين، تتفوق فيها "فتح" بحوالي عشرة مقاعد، تضمن رئاسة المجلس التشريعي لـ"فتح" (للرجوب غالبا)، وتمتنع "حماس" عن تأييد أي مرشّح للرئاسة. ولكن الرياح أحيانا تسير بما لا تشتهي السفن، فقواعد "حماس: وحتى كبار المسؤولين فيها، رفضوا فكرة القائمة المشتركة، مع تأييدهم مبدأ الانتخابات. ومعلوم أن الحركة الإسلامية تمر في عملية انتخابات داخلية ستنتهي عنها، حسب مصادر داخلية، إلى اختيار رئيسين: خالد مشعل لقيادة "حماس" في الخارج وإسماعيل هنية لرئاسة المكتب السياسي، ومركزه الداخل، وحسب المصادر فإن رئيس المكتب السياسي للحركة في قطاع غزة، يحيى السنوار، يعارض مشعل.

المتوقع أن موقع الرئاسة "محجوز" للرئيس محمود عباس، على الرغم من أنه قال، مرة في وقت بعيد، إنه لا ينوي الترشّح

أما في حركة فتح فحدّث ولا حرج. يقال إن هناك ما بين ثلاث إلى خمس مجموعات من أعضائها تعمل على تشكيل قوائم موازية للقائمة الرئيسية، أهمها قائمة الملتقى الديمقراطي، بزعامة عضو اللجنة المركزية للحركة، ناصر القدوة، والتي يأمل القائمون عليها الحصول على تأييد من الأسير مروان البرغوثي الذي ينوي الترشّح للرئاسة.
ومع شبه استحالة الاستمرار في مشروع القائمة المشتركة بين حركتي حماس وفتح (عارضها القدوة بشدة) يبرز سؤال منطقي: هل ستكون "حماس" في حل من التزامها بعدم تأييد أي مرشح للرئاسة؟ المتوقع قبل إعلان البرغوثي أن موقع الرئاسة "محجوز" للرئيس محمود عباس، على الرغم من أنه قال، مرة في وقت بعيد، إنه لا ينوي الترشّح. ولم يعلن بعد أنه ينوي الترشّح، فيما قال بعض معاونيه وأعضاء في مركزية "فتح" إنه مرشح إجماع الحركة. ولو امتنع الرئيس عن الترشّح لكان من السهل إيجاد تفاهم حول قائمة "فتح" مع البرغوثي الذي كان قد صرح لعضو اللجنة المركزية، حسين الشيخ، إنه مع وحدة الحركة. ومن شأن ضمان ترشيح مروان البرغوثي للرئاسة، وإعطائه دورا في تشكيل قائمة القدورة لانتخابات المجلس التشريعي أنه سيحل مشكلات هذه القائمة، وقد يضمن لها النجاح. وبغير ذلك سيكون من الصعب جسر الهوّة، فإصرار القدوة، كما رد على سؤالي له، على أنه ينوي الاستمرار حتى بدون دعم البرغوثي، يعني أن حركة فتح ستضعف أمام الناخبين، وغالبيتهم من الشباب الذين لم يصوّتوا ابدا، بسبب تعثر الانتخابات خمس عشرة سنة، فمن المتوقع أن يشارك مليون فلسطيني لأول مرة في انتخابات المجلس التشريعي والرئاسة، علما أنه سجّل، إلى غاية كتابة السطور، للمشاركة في الانتخابات رقم قياسي، هو 93% من المخوّل لهم التصويت. ويضع هذا الأمر الرئيس ولجنة فتح المركزية في وضع صعب، حيث يجب إيجاد حل لموضوع الأسير ذي الشعبية العالية، مروان البرغوثي، والذي رفض تسلم أي منصب حكومي منذ عودة القيادة الفلسطينية إلى الوطن، حيث كان مبعد الانتفاضة الأولى (إضافة إلى الرجوب)، وبقي رئيسا لتنظيم فتح إلى غاية اعتقاله في العام 2002.

الحل الوحيد المتبقي إيجاد منصب نائب رئيس، وإدخال مروان البرغوثي ضمن قائمة تشمله رئيسا، ومحمود عباس نائبا للرئيس أو العكس

الصعوبة أمام الرئيس أبو مازن عدم القدرة على إلغاء الانتخابات أو تأجيلها (ليس بسبب الضغوط الأميركية أو الأوروبية كما يزعم بعضهم)، بل لأن الشعب الآن متحمّس لتغيير الوجوه الذين تلوثت أيديهم وأيدي أقاربهم ومساعديهم في الفساد، فإذا كانت انتخابات عام 2006 قد شهدت تصويتا معارضا لحركة فتح، فإن انتخابات 2021 قد تشهد أصواتا معارضة لكل من "فتح" و"حماس". وإذا كان عدم ترشّح أبو مازن غير مقبول لديه ولدى مساعديه، فإن الحل الوحيد المتبقي هو إيجاد منصب نائب رئيس، وإدخال مروان البرغوثي ضمن قائمة تشمله رئيسا، ومحمود عباس نائبا للرئيس أو العكس. سيتطلب الأمر تغييرا في القانون الأساسي، والذي ينص أنه في حال غياب الرئيس سيقوم رئيس المجلس التشريعي بمكان الرئيس ستين يوما إلى غاية تنظيم انتخابات رئاسية. من الأفضل أن يشرع الأمر المجلس المنتخب، ولكن يمكن ذلك بمرسوم رئاسي.
وثمّة تساؤلات تكرّرت أخيرا: هل نتحدث عن رئيس للسلطة الوطنية الفلسطينية، أم رئيس دولة فلسطين؟ وإذا كان الأخير، هل من المعقول حصر الانتخابات على أقل من نصف الشعب الفلسطيني، القاطنين تحت الاحتلال؟ هل النظام الفلسطيني برلماني أم رئاسي؟ وقد ظهر ذلك الأمر أخيرا في النقاشات الفلسطينية الداخلية في إسطنبول والقاهرة... وستكون الأسابيع المقبلة حاسمة في تحديد المسار الفلسطيني فترة طويلة، فهل يكون للشعب الفلسطيني تحت الاحتلال صوت مسموع وقدرة على اختيار الأفضل، أم سيبقى في دوامة الاستمرار في السير مع القيادات نفسها مدة طويلة إضافية، من دون ضخ دماء جديدة على كل المستويات؟