هل تتغيّر أميركا حقاً... أم تُغَيَّر الأقنعة فقط؟

30 يناير 2026
+ الخط -

خاطب الرئيس الأميركي السابق جو بايدن، في 19 فبراير/ شباط 2021، مؤتمر ميونخ للأمن معلناً: "أتحدث اليوم بصفتي رئيس الولايات المتحدة في بداية إدارتي، وأرسل رسالة واضحة إلى العالم: أميركا عادت؛ التحالف عبر الأطلسي عاد. ونحن لا ننظر إلى الوراء، بل نتطلع إلى الأمام معاً". تأكيدات بايدن تلك جاءت على خلفية أربع سنوات من حكم دونالد ترامب في إدارته الأولى (2017 – 2021) التي جعلت "أميركا أولاً" استراتيجية لها تنطلق من المصالح الأميركية الخالصة والأنانية، لا مجرد شعار فحسب. وكان من مقتضيات ذلك تعامله (ترامب) بنوع من "التعاقدية النفعية" مع العالم، وكذلك بازدراء مع "حلفاء" الولايات المتحدة ككندا والاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي (الناتو) الذي اعتبر أنه تحالف "عفا عليه الزمن". خمس سنوات بعد شعار بايدن "أميركا عادت"، ذهب بايدن، وعاد ترامب، بشعار "أميركا عادت أكبر وأقوى وأفضل من أي وقت مضى"، كما قال في خطابه في منتدى دافوس (21 يناير/ كانون الثاني 2026). قد يبدو ما بين "أميركا عادت" عام 2019، و"أميركا عادت" عام 2026، أننا نتحدّث عن أميركتين، ولكن الحقيقة هي أميركا واحدة بجذر واحد، حتى وإن كان صحيحاً أن المقاربتين في السياسة الخارجية مختلفتان كلياً.

عودة إلى خطابي بايدن وترامب أولاً، ثمَّ نوضح أكثر، كيف يكون الجذر واحداً رغم البون الشاسع بين مقاربتيهما للسياسة الخارجية، والعلاقة مع "الحلفاء" تحديداً. في خطاب بايدن قبل خمس سنوات، أكد أن الولايات المتحدة "ستعمل من كثب مع شركائنا في الاتحاد الأوروبي وعواصم القارّة، من روما إلى ريغا، لمواجهة مجموعة التحدّيات المشتركة. ونواصل دعم هدف أوروبا الموحّدة والحرة والمسالمة. الولايات المتحدة ملتزمة تماماً بتحالف "الناتو"، وأرحّب بالاستثمار الأوروبي المتزايد في القدرات العسكرية التي تمكّن دفاعنا المشترك". وأيضاً، وصف بايدن التزام أميركا بالمادة الخامسة من ميثاق حلف الناتو، ومفاده بأن الهجوم على أي حليف، هو هجوم على الجميع، بأنه "عهد لا يتزعزع". ومدح بايدن الحلف لوقوفه مع الولايات المتحدة في أفغانستان وفي "مواجهة داعش".

لأن الدنمارك والاتحاد الأوروبي لم يسايرا ترامب في نزواته، فإنه أعلن استعداده لتصعيد المعركة الجمركية معهم، والأخطر استعداده للتخلي عن توفير المظلة الأمنية لهم

كان ذلك في عام 2021، عندما ظنَّ "حلفاء" واشنطن أنهم تنفسوا الصعداء بعد سنوات ترامب الأربع "العجاف" حينها. لكن ترامب العائد إلى البيت الأبيض (يناير/ كانون الثاني 2025) لم يكتفِ بإرجاع "الحلفاء" القلقين إلى 2017، عندما تولى رئاسته الأولى، بل أثبت، هذه المرّة، حرصه الأكيد على ابتزازهم ونيل ما يريده منهم طوعاً أو كرهاً. إنه يعتبر أن أميركا لم تكن محترمة من قبل، ولكنها اليوم تحت رئاسته "مُحترمة مرّة أخرى في جميع أنحاء العالم"، كما قال قبل أيام. في هذا السياق، لم يكتفِ ترامب بمحاولات إخضاع أوروبا عبر آليات الإكراه الاقتصادية، في ما يتعلق بمعركة التعريفات الجمركية، بل ذهب أبعد من ذلك عبر مساعيه المستمرّة للاستحواذ على جزيرة غرينلاند التابعة لمملكة الدنمارك، التي هي عضو في الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو أيضاً. ولأن الدنمارك والاتحاد الأوروبي لم يسايرا ترامب في نزواته، فإنه أعلن استعداده لتصعيد المعركة الجمركية معهم، والأخطر استعداده للتخلي عن توفير المظلة الأمنية لهم. كان هذا تصريحاً لا تلميحاً في خطابه في دافوس. "لدى كل حليف في الناتو التزام بأن يكون قادراً على الدفاع عن أراضيه… الولايات المتحدة تُعامل بشكل غير عادل للغاية من الناتو... نحن نعطي الكثير، ونحصل على القليل جداً في المقابل".

واضح التناقض بين منطقي بايدن وترامب في السياسة الخارجية والعلاقة مع "الحلفاء"، فكيف يكون الجذر واحداً؟ الجواب، ببساطة ومن دون تعقيدات كثيرة، هذه هي أميركا. لها وجهان أو أكثر، سواء في السياسات الداخلية أو الخارجية. والأمر يعتمد على من يكون في الحكم وما أولوياته، والعالم، بما في ذلك "الحلفاء" مرتهنون للتوازنات الداخلية الأميركية. الولايات المتحدة مثل كرة السلة التي تصطدم بالأرض ثمَّ ترتد، سياستها الخارجية عرضة لمواءمات جديدة أو تغيرات جذرية كل أربع سنوات مع الانتخابات الرئاسية، ومن يصل إلى البيت الأبيض. مع ذلك، بغضّ النظر عن اختلاف المقاربات الأميركية في السياسة الخارجية، لناحية التعاون مع "الحلفاء" أو إكراههم، فإن أرضية ذلك دوماً المصالح الأميركية أولاً وأخيراً، وأي اختلاف يكون بمدى ما تقبل واشنطن إتاحته من فتات "للحلفاء".

ما زلنا نحن العرب نعمّق التشظي والانقسام وكأننا فرحون بمساعي تسميننا كالنعاج انتظاراً للسكين الأميركية

هذا ما أدركه "الحلفاء"، ولكن متأخّرين، كما أقرَّ بذلك رئيس الوزراء الكندي، مارك كارني، في خطابه أمام منتدى دافوس الاقتصادي العالمي، "كنا نعلم أن قصة النظام الدولي القائم على القواعد كانت زائفة جزئياً، وأن الأقوياء كانوا يستثنون أنفسهم منها عندما يكون ذلك ملائماً، وأن القواعد التجارية كانت تُفرَض بشكل غير متكافئ". هذا ما قاله كارني. وأضاف أن تطبيق القانون الدولي كان يجري "بصرامة متفاوتة تبعاً لهوية المتهم أو الضحية". مشدّداً بقوله: "لقد وضعنا اللافتة على النافذة وشاركنا في طقوس هذا النظام، وتجنبنا الإشارة إلى الفجوات بين الخطاب والواقع، لكن هذه الصفقة لم تعُد فعّالة". وقال مخاطباً الحضور: "لا يمكنكم العيش داخل كذبة المنفعة المتبادلة عبر التكامل حين يصبح التكامل مصدر تبعيتكم". ليس كارني وحده بين "الحلفاء" الأميركيين من امتلك الجرأة ليقرّ بحقيقة النظام الدولي الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة. فهذا هو الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يُحذر، أمام المنتدى نفسه، من "التحوّل نحو عالم بلا قواعد، حيث يُداس القانون الدولي، ويبدو أن القاعدة الوحيدة المهمة هي حكم الأقوى". وانتقد ماكرون، ملمحاً في ما يبدو إلى ترامب والرئيس الروسي فلاديمير بوتين، عودة "الطموحات الإمبريالية" إلى الظهور. للتذكير من جديد، من يتحدث هنا رئيس دولة "إمبريالية"، وليس دولة من عالم الجنوب المنكوب بالإمبريالية.

عودة إلى خطاب مارك كارني الذي لقي ترحيباً دولياً، بما في ذلك عربياً، إذ دعا "الدول المتوسّطة القوة" إلى التكتل، مؤكداً أنه لم يعُد ممكناً "العيش داخل كذبة". وقال: "إذا لم تكن جالساً إلى الطاولة، فستكون على قائمة الطعام". وأكّد ماكرون المعنى نفسه، قائلاً: "تمتلك أوروبا الآن أدوات قوية للغاية، وعلينا استخدامها عندما لا نحظى بالاحترام وعندما لا تُحترم قواعد اللعبة". السؤال الذي يفرض نفسه: إذا كان هذا حال "الدول المتوسّطة القوة" التي أدركت كذبة النظام الدولي "القائم على القواعد" متأخّرة، فكيف بنا، نحن العرب، الذين كنّا نعلم دائماً أننا "على قائمة الطعام" الأميركية وحلفائها "المتوسطين"، قبل أن ينضم إلينا "المتوسطون" كذلك؟ تحاول "الدول متوسّطة القوة" التكتل اليوم، وها هي كندا وبريطانيا تطرقان أبواب الصين تجارياً في محاولة لتنويع شراكاتهما التجارية والجيوسياسية. أما نحن العرب، فما زلنا نعمق التشظي والانقسام وكأننا فرحون بمساعي تسميننا كالنعاج انتظاراً للسكين الأميركية.