هل تتعاون تركيا ومصر في ليبيا؟

هل تتعاون تركيا ومصر في ليبيا؟

30 ديسمبر 2020
الصورة
+ الخط -

زار وفد أمني مصري رفيع المستوى العاصمة الليبية طرابلس، في 27 ديسمبر/ كانون الأول الجاري، في خطوة مفاجئة، وبحث مع المسؤولين في حكومة الوفاق الوطني، المعترف بها دولياً، إعادة العلاقات بين الجانبين، واستئناف الرحلات الجوية المتوقفة بين طرابلس والقاهرة منذ عام 2014. وضم الوفد نائب رئيس جهاز المخابرات ومسؤولين كبارا من وزارتي الخارجية والدفاع، وجاءت زيارته بعد نحو أسبوع من لقاء رئيس جهاز المخابرات المصرية، عباس كامل، في بنغازي، مع كل من الجنرال خليفة حفتر ورئيس البرلمان الليبي عقيلة صالح. ولذلك تكتسب الخطوات المصرية الراهنة أهمية بالغة على عدّة صعد، وتعكس رغبة مصر في لعب دور أكثر فاعلية في مساعي التسوية السياسية، من خلال إبراز نفسها وسيطا محايدا بين طرفي الصراع، بعدما كانت في الفترة الماضية داعمةً لتحالف حفتر في الشرق. وهي التي، منذ بروز حفتر في المشهد الليبي في عام 2014، انخرطت في تحالفٍ يضم الإمارات وفرنسا، وأطرافا أخرى أقل فاعلية، لدعم حفتر في مواجهات الفصائل المحسوبة على جماعة الإخوان المسلمين في الغرب الليبي. وساهمت مصر عسكرياً إلى جانب الحلفاء الآخرين في دعم عمليات حفتر ضد جماعة أنصار الشريعة في الشرق الليبي، وشاركت في محاولة منع تحالف قوات فجر ليبيا في 2014 من السيطرة على طرابلس. كما دعمت الهجوم الفاشل الذي شنّه حفتر على العاصمة في 12 ديسمبر/ كانون الأول 2019. وبعد الهزيمة الكبيرة التي مُني بها حفتر في المنطقة الغربية، إثر التدخل العسكري التركي إلى جانب حكومة الوفاق برئاسة فائز السراج، منتصف عام 2020، غيّرت مصر من استراتيجيتها، وطالبت بوقف التصعيد العسكري، واستئناف العملية السياسية، وهدّدت، في نهاية يونيو/ حزيران الماضي، بالتدخل عسكرياً ضد قوات "الوفاق" المدعومة تركياً، في حال واصلت تقدّمها باتجاه مدينة سرت وسط البلاد. 

من أسبابٍ دفعت القاهرة إلى تموضعها الجديد فشل الرهان على الجنرال حفتر في السيطرة على المنطقة الغربية، والقضاء على الفصائل المحسوبة على الإخوان المسلمين

هناك خمسة أسباب رئيسية دفعت القاهرة إلى إحداث هذا التموضع: أوّلها، فشل الرهان على الجنرال حفتر في السيطرة على المنطقة الغربية، والقضاء على الفصائل المحسوبة على جماعة الإخوان المسلمين. ثانيها، الرغبة في إنجاح مسار التسوية السياسية لضمان عدم العودة مجدّداً إلى التصعيد وتجنب التدخل العسكري المباشر، لما يحمله ذلك من مخاطر الدخول في صدام مباشر مع تركيا. ثالثها، أن أي عودةٍ إلى التصعيد العسكري ستعني مزيداً من الانخراط العسكري التركي في الصراع، وهو ما لا تريده القاهرة. رابعها، اقتناع صانع القرار المصري بضرورة إيجاد مسافةٍ بين المصالح المصرية في ليبيا ضمن التحالف الداعم لحفتر والمصالح المصرية منفردة، لأن مثل هذه المسافة تُساعدها في فتح خطوط تواصلٍ مع الأطراف الليبية الأخرى والأطراف الخارجية الأخرى من خارج هذا التحالف كتركيا. وخامساً، رغبة مصر في لعب دور فعال في التسوية، بعدما تراجع دورها خلال السنوات الماضية لحساب أطراف إقليمية أخرى منها ما هو حليف كالإمارات ومنها ما هو منافس كتركيا.

وليبيا ساحة من ساحات التنافس التركي المصري في الإقليم، حيث تقف أنقرة والقاهرة على طرفي نقيض في الصراع. وقد ساهمت القطيعة المصرية التركية بعد عام 2013، وما أعقبها من استقطاب إقليمي حاد في المنطقة، في تعميق الخلافات التركية المصرية في ليبيا، وحالت دون حصول تعاون بين الجانبين، على الرغم من أن الأهداف الرئيسية لكلا البلدين في ليبيا تلتقي في إنهاء الانقسام بين الشرق والغرب، والحفاظ على وحدة الأراضي الليبية. وقد أخذ التنافس بين الطرفين شكلاً صدامياً، بدلاً من أن يكون تعاوناً تنافسياً يُراعي مصالح الجانبين، ويُدير خلافاتهما بحيث لا تخرج عن السيطرة. وفي ظل عجز أيٍّ من طرفي الصراع الليبي عن حسم الصراع لصالحه، تبرز أهمية التعاون المصري التركي حلا وسطا يُمكن أن يُساهم في إنهاء الصراع، بما يراعي المصالح التركية والمصرية في هذا البلد.

ترغب تركيا أن تُشكل ليبيا بوابة لإعادة استئناف العلاقات مع مصر، وتحويل التنافس معها من تنافس صدامي إلى تعاون تنافسي

تثير هذه الانعطافة المصرية تساؤلاتٍ بشأن أبعادها والموقف التركي منها. وكان لافتاً أن الزيارة المصرية لطرابلس تزامنت مع زيارة تركية أخرى رفيعة، أجراها وزير الدفاع خلوصي أكار وقادة آخرون في الجيش. ولدى أنقرة علاقة جيّدة مع السراج ونفوذ كبير على الفصائل الرئيسية في المنطقة الغربية. ومع ذلك، لم تستخدم هذا النفوذ لعرقلة الانفتاح بين طرابلس والقاهرة، في مؤشّر على أنها لا تُعارض، من حيث المبدأ، مثل هذا الانفتاح، ما دام أنّه يصب في الأهداف الرئيسية نفسها التي تعمل عليها، وهي إعادة الاعتبار الإقليمي والدولي لشرعية حكومة الوفاق، على الرغم من أن الأخيرة لن تستمر فترة طويلة، إذا ما نجح الحوار الليبي في اختيار سلطة جديدة، فضلاً عن التأكيد على مركزية السلطة في ليبيا، ومنع تكريس الانقسام بين الشرق والغرب. 

سبق لتركيا أن دعمت اتفاق وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه بين الأطراف الليبية برعاية الأمم المتحدة في جنيف في نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، وأيدت قرار حكومة الوفاق وقف العمليات العسكرية على أطراف سرت، في رغبة منها بتهيئة الأرضية لإطلاق حوار سياسي. كما أنّها لم تُبدِ اعتراضاً على زيارة وفد من طرابلس إلى القاهرة بعد نحو شهر من إبرام اتفاق جنيف. وتسعى أنقرة من خلال تسهيل دور مصري أكبر إلى تحقيق ثلاثة أهداف رئيسية. أولاً، إبداء احترامها المصالح المصرية في ليبيا، وإقناع القاهرة بفوائد تعاونها معها، بعيداً عن انخراطها في التحالف الفرنسي الإماراتي، وتهميش الدورين الفرنسي والإماراتي اللذين يُعرقلان تسوية سياسية متوازنة، لا تُعطي الأفضلية لحفتر. ثانياً، رغبة أنقرة في أن تُشكل ليبيا بوابة لإعادة استئناف العلاقات مع مصر، وتحويل التنافس معها من تنافس صدامي إلى تعاون تنافسي، على غرار التعاون التنافسي التركي الروسي في ليبيا وسورية وجنوب القوقاز. ثالثاً، تركيز أنقرة على تفكيك التحالف الإقليمي المُشكّل ضدّها في شرق المتوسط، وإبعاد مصر عن اليونان وقبرص، تمهيداً لإبرام اتفاقية معها لترسيم الحدود البحرية. 

سيعطي أي تعاون مصري تركي زخماً أكبر لمسار التسوية السياسية، وسيعود بالفائدة على مصالح البلدين، وعلى الشعب الليبي

وقد قال المتحدث باسم الرئاسة التركية إبراهيم قالن، في 14 الشهر الماضي (نوفمبر/ تشرين الثاني)، في حوار مع قناة محلية تركية، إن بلاده مستعدة للتجاوب مع مصر، في حال أظهرت الأخيرة إرادة التحرّك بأجندة إيجابية في القضايا الإقليمية. وعلى الرغم من أن لغة المنطق والجغرافيا تفرض على مصر وتركيا التعاون في القضايا الإقليمية، ومنها ليبيا، إلّا أن عقباتٍ حالت دون حصول هذا التعاون، ويُمكن تلخيصها بثلاث رئيسية: انخراط البلدين في استقطاب إقليمي حادّ يتجاوز الجغرافيا الليبية، ويتعلق بصراع على ثروات شرق المتوسط. التأثير الفرنسي والإماراتي الكبير على القاهرة يضغط باتجاه عرقلة أي انفتاح مصري على تركيا. معضلة حفتر في المشهد الليبي، إذ تراه أنقرة جزءا رئيسيا من المشكلة، ولا يُمكن أن يكون مشاركاً في الحل، فيما لا تريد القاهرة المجازفة بتأثيرها في الشرق من خلال إبعاد حفتر، لأنه المُهيمن بالفعل على المنطقة هناك. 

على الرغم من هذه العقبات، إلا أن الديناميكية الحالية للسياستين، المصرية والتركية، في ليبيا تفيد بأن القاهرة وأنقرة باتتا تُدركان، أكثر من أي وقت مضى، أهمية تجاوز الخلافات الثنائية، والمضي في مسار التعاون في الساحة الليبية، وعزل هذا المسار عن تأثير القضايا الخلافية الأخرى، كالصراع في شرق المتوسط. على مدى السنوات الماضية، شهدت ليبيا عدّة مبادرات للحل السياسي، لكنّها جميعها وصلت إلى طريق مسدود، بفعل غياب التوافق الإقليمي والدولي لدعم الحل السياسي. لذلك، سيعطي أي تعاون مصري تركي في الفترة المقبلة زخماً أكبر لمسار التسوية السياسية، وسيعود بالفائدة على مصالح البلدين، وعلى الشعب الليبي الذي لم يعد في استطاعته تحمّل سنوات إضافية من الانقسام السياسي، ويتطلّع إلى مرحلة انتقالية تُلبي تطلّعاته التي علّق الآمال عليها بعد ثورة 17 فبراير.