هل تبدّد الاستثناء التونسي؟

هل تبدّد الاستثناء التونسي؟

01 اغسطس 2021
الصورة
+ الخط -

التطورات التراجيدية في تونس منذ إعلان الرئيس، قيس سعيّد، عن تجميد البرلمان والتفرّد في السلطات، دفعت بتساؤلات مشحونة بالقلق لدى قطاع عريض من الشباب العربي، فيما إذا كان الاستثناء التونسي، الذي طالما شكّل بصيصاً من نور بإمكانية التحول الديمقراطي، قد تبدّد، وعادت تونس إلى "السياق السلطوي" العربي؟

قد يكون مبكراً الجزم بهذا الاحتمال، وإن كان كثيرون يرون شبح الحالة المصرية تلوح في الأفق التونسي، وما نزال نراقب "نوايا" الرئيس التونسي؛ وإنْ كانت الخطوات التي قام بها، بصورة عامة، تعزّز الهواجس بأنّ القطار التونسي قد انحرف عن الطريق الديمقراطي. مع ذلك يبقى سؤال مهم عن حجم "العامل الخارجي"، وعن موقف الجيش والأمن هناك، فهي، بالضرورة، عوامل حاسمة ومهمة، وإن هنالك، وفق شهادات موثوقة وعديدة، حالة ترحيب وقبول بما قام به الرئيس في أوساط الشباب التونسي!

جاءت اعترافات رئيس البرلمان التونسي وزعيم حزب النهضة، راشد الغنوشي، قبل يومين لوكالة الأنباء الفرنسية، متأخّرة كثيراً، وتعكس مشكلة القراءة لدى التيار الإسلامي، عموماً، للواقع السياسي، مع الإقرار بأنّ إسلاميي تونس تمكّنوا من السير بنجاح وسط "حقل الألغام"، حتى جاءت قرارات الرئيس لتخلط الأوراق مرّة أخرى.

لسنا، هنا، في مقام تبادل قبعات "التلاوم" بين القوى والأطراف المختلفة، فيما إذا كانت الظروف الاقتصادية الصعبة التي وقعت فيها البلاد هي السبب الرئيس في وراء ما حدث، أم أخطأ الإسلاميون في التعامل مع المرحلة الانتقالية، واستعجلوا قطف ثمار السلطة والحكم، في وقت صعبٍ وحرج، ولم يتمكّنوا من إخراج الدولة من الأزمات المركبّة، فدفعوا ثمناً باهظاً لذلك.

هل كان هناك بالفعل مسار آمن أفضل مما كان؟ وهل المطلوب من الأحزاب الإسلامية، حصرياً، الابتعاد عن السلطة السياسية تجنباً لتلك الفزّاعة التي ما تزال تلاحقهم من المعارضة إلى مقاعد الحكم؟ سؤال مهم من الضروري أن يحظى بنقاشٍ معمّق. ولكن باعتراف الغنوشي نفسه كانت هنالك أخطاء ولم ينجح الإسلاميون، على الرغم من حفاظهم على قاعدة معقولة تمكّنهم من البقاء رقماً صعباً في الانتخابات، في إخراج الناس من الواقع الاقتصادي المتدهور، وهو أمرٌ لن يحدث بين يوم وليلة، لكن طبيعة المرحلة الانتقالية صعبةٌ ومعقدة، بمثابة القيادة في منعرجاتٍ خطيرةٍ من السهل أن تنزلق فيها المركبة إلى الهاوية.

المشكلة، غالباً، ليست محصورةً في الإسلاميين، فمن الواضح أنّ النخب السياسية والأحزاب التقليدية غرقت في حسابات الكعكة السياسية، من دون أن تلتفت إلى جيل الشباب الذي فجّر الثورة، وكانت لديه آمال كبيرة وعريضة في تغيير الواقع، لكنّه (هذا الجيل) وجد نفسه أمام حالةٍ، وإنْ تتميز سياسياً بمساحات واسعة من الحرية والديمقراطية، إلاّ أنّها، من زاوية آمالهم وطموحاتهم، أدّت إلى أوضاع سيئة وتدهور في المجال الاقتصادي وتراجع في الخدمات، وهي نتائج مرتبطة، بالضرورة، بالتركة الثقيلة للمرحلة السابقة.

في المقابل، شكّل الإسلاميون، قبل الربيع العربي، في مجتمعات عربية كثيرة، القوى الرئيسية في المعارضة، وقدّموا وعوداً هائلة في حال تغيّرت الأوضاع، إلا أنّهم وجدوا أنفسهم في مرحلة الحكم في أزمةٍ أكبر من أزمتهم في المعارضة التي تمكّنوا من التكيّف، خلال عقود طويلة، مع ديناميكياتها وشروطها القاسية، في أنظمةٍ سلطويةٍ وشبه سلطوية، ودفعوا ثمن ذلك غالياً، لكن الثمن اليوم لا يقلّ حجماً عن ثمن المعارضة.

في ضوء تصريحات الغنوشي ومحاولته الواضحة لتجنب السيناريو المصري: ماذا يمكن أن يقدّم حزب النهضة الإسلامي لإنقاذ الوضع هناك؟ وما هي التنازلات (التي تحدّث عنها) المطلوبة لإنقاذ النموذج التونسي من الوقوع في الفخ الخطير؟ دعا الرجل إلى حوار وطني من أجل الخروج من الحالة السياسية الراهنة، لإنقاذ الديمقراطية التونسية، وهو أمر يدفع، بالفعل، في ظل الظروف القاسية الحالة الكرة إلى ملعب الرئيس؛ لأنّ الأخير لم يقدّم أجوبة وحلولاً واضحة لكيفية الخروج من الأوضاع الاقتصادية - الاجتماعية التي انتقدها.

هي أفكار أولية وتساؤلات نطرحها في ضوء المؤشرات والإشارات الأولية الحالية المقلقة من تونس، بعد قرارات الرئيس قيس سعيّد التفرّد في السلطة.