هل انطفأت "الأنوار" الفرنسية؟

29 أكتوبر 2020
الصورة
+ الخط -

صموئيل باتي، أستاذ ثانوي فرنسي (47 سنة)، مثالي بمهنيته على ما يشهد زملاؤه. يقوم بواجبه مع تلامذته في حصة "حرية التعبير". مادة الحصة اليوم رسومات الكاريكاتور المستهزئة بالرسول العربي محمد. والمناسبة هي الذكرى الخامسة لمقْتلةٍ تعرّض لها أصحاب الرسومات نفسها. من مجلة "شارلي إيبدو" المعروفة بسخريتها اللاذعة تجاه كل التابوهات، الدينية خصوصاً. يتابعه عن بُعد، أو يسمع به عبد الله أنزوروف. لاجئ شيشياني في الثامنة عشرة من عمره. يصغي إلى التحريض على الأستاذ، أو يستشعر الجو المحيط بأهالي التلامذة الذين حضروا الحصة. وقد أعفاهم الأستاذ منها، وتركَ لهم حرية الخروج من الصف، من دون احتسابٍ لغيابٍ أو تقصيرٍ في المادة. وبعد عشرة أيام من الحصة، يرتكب عبد الله أنزوروف جريمة بشعة بحق الأستاذ. يقطع رأسه، وهو يصرخ "الله أكبر"، ويوزّع صورته صريعاً غارقاً في دمائه. 

الجريمة صادمة. وردة الفعل عليها قوية. شعبياً ورسمياً. والفرنسيون على حق. هم الذين يستقبلون الهاربين من دماء سائلة في بلدانهم، ها هم تُهدر دماؤهم على مذبح حرية الفكر. وهذه معضلة وجودية، مديدة وذات إشكالات متعددة. أما الردّ الرسمي، ردّ الأحزاب الممثلة في البرلمان، فهو يجدِّد القلق. 

اليمين المتطرّف، بقيادة مارين لوبان، كان سباقاً في طرح مزايداته أمنية الطابع: وفكرته القديمة بطرد المهاجرين، ذوي الغالبية المسلمة. وبتحريضٍ علنيٍّ منه، تنْهال على المحكمة الوطنية للهجرة الشتائم والتهديدات، بصفتها هي المسؤولة عن الموافقة الرسمية على استقبال اللاجئين في فرنسا. اليمين الأقل تطرّفاً يدعو إلى "الضرب بقوة" والعمل ضد "الإسلامية الراديكالية" وضد الهجرة "غير المسيطَر بها". يحذو حذوَه اليساري "الممانع" جان لوك ميلانشون، الذي يصرّح بأن ثمة "مشكلة مع الجماعة الشيشانية في فرنسا"، وأن على فرنسا طرد الذين ينشطون منهم "في ميدان الإسلام السياسي". ما دعا ممثل الجالية الشيشانية في فرنسا إلى البحث عمّن يغطي تكاليف دعوى ينوي رفعها ضده. وحده رئيس الكتلة الشيوعية في البرلمان الفرنسي يخشى "فخ الانقسام"، ويحذّر بأنه "لا ينبغي أن ننشر الاعتقاد بأن مواطنينا المسلمين يتعايشون مع الإرهاب الإسلامي".

اليمين المتطرّف، بقيادة مارين لوبان، كان سباقاً في طرح مزايداته أمنية الطابع. وها هو ماكرون يزايد عليه

والحزب الحاكم ليس أقل عنفاً تجاه المهاجرين. ممثّله إلى أعلى سلطة، الرئيس إيمانويل ماكرون، يخطب بالجموع المحتشدة في تأبين صموئيل باتي. يقول كلاماً عالي النبرة، قريبا من كلام خصومه الكُثر، وخصوصاً مارين لوبان، منافسته المحتملة في الانتخابات الرئاسية المقبلة. يعلنها حرباً على "الإسلاميين"، و"الجهاديين" و"الإرهابيين". ويدخل البرلمان الفرنسي في مشاريع قوانين تهدف إلى حماية البلاد من "الإرهاب الإسلامي". يناقشها البرلمان، يحذف هذه أو تلك، يرى أخرى بلا لزوم، لأنها متضمَّنة في الدستور الفرنسي أصلاً. وهذا النقاش لم ينتهِ بعد.

وبالتوازي، تحصل المداهمات للمساجد المريبة، ولمراكز إسلامية. يُعتقل الأشخاص الذين شاركوا في تحريض عبد الله أنزوروف على ارتكاب جريمته، وبصورة غير مباشرة غالباً، منهم أهالي بعض تلامذة الأستاذ المذبوح، ورواد مواقع، وشيوخ. أحد مشايخ مسجد بانتين، الذي أُغلقت أبوابه، يعطي فكرة عن المناخ: يقول إن الحملة الأمنية - النفسية سوف تؤخِّر بروز "التيار المعتدل والتقدّمي" في الإسلام، ولن تزيد المسلمين الفرنسيين غير عزلة وشعور بالملاحقة والاضطهاد. 

ومفهوم، كما في حوادث سابقة مماثلة، أن كل ما يصدر من أخبار عن الجريمة يخلق مناخا قوياً من الخلط المصْهور بين مسلم وإسلامي وإرهابي وجهادي. والمناخ نفسه يبثّ مفْردة "الفاشية الإسلامية"، وهي عبارة أخرى تذوب فيها صفة "مسلم" بعبارات الإرهاب والإسلاموية إلخ .. ما يسهّل حوادث إرهابية مضادة: قتل مسلمين، التنمّر عليهم، حرمانهم من حقوق الهجرة والاندماج، وحالات خوف فردي تردع عن الخروج أو التعامل مع "غرباء" على الطريق وعلى غيره. ولا نعرف إذا كان صحيحاً ذاك الشريط الذي شاعَ على الشبكة، عن جزائريتَين تتعرّضان لاعتداء بالسكاكين تحت برج إيفل. ولكن المؤكد أن المناخ مُناسب لنوعٍ كهذا من ردود الأفعال، وضحيتها الأكيدة "مسلم"، أو "مسلمة"، محجبة خصوصاً، بجريرة إسلاموية وإرهاب... إلخ. 

المناخ هو ما تمتاز فرنسا بخلقه. تستطيع أن تخلق مناخاً، يكون حيناً أقوى من الوقائع، وأحيانا دونها

المناخ هو ما تمتاز فرنسا بخلقه. تستطيع أن تخلق مناخاً، يكون حيناً أقوى من الوقائع، وأحيانا دونها. حسب حظها. قارن مع المناخ الذي بثّته فرنسا في مرحلة الاستقلالات الوطنية، والعالمثالثية، وبناء الهوية الفردية والفلسفية. كانت هذه عظمة فرنسا. يتصدّر واجهتها فلاسفة معاصرون أحرار، تؤازرهم مناخات شبيهة، عربية، عالمية، غربية. بحيث إن العائد من فرنسا، هو أكثر العائدين من أي دولةٍ غربية أخرى إبداعاً ثورياً، يستوحي من فلاسفتها الأحياء أشكالا ومضامين من النضال والتغيير. كان المجتمع الفرنسي ينهض من حربين عالميتين. وفي طياته شخصيات ومنابر وصحافة ونواب وأحزاب .. جميعهم يغذّي هذا المناخ. وما ساعدَ على ذلك أن الآتين إليها من المسلمين لم يكونوا على درجةٍ من العصبية الدينية، في مجتمعاتهم الأصلية. وقد بلغتهم نسائم هذا المناخ قبل بلوغهم فرنسا.

من فرنسا صاحبة الأدوار الريادية القريبة، إلى فرنسا خالقة المعاني المضادّة لها، جذرياً أحياناً. ورئيس جمهورية لا يرى سبيلاً لإعادة انتخابه سوى المزايدة على المزايدة اليمينية المتطرفة

الآن، تغير المناخ. في العالم كله، يمينٌ شعبوي يزايد على يمين أقلّ منه تطرّفاً وينجح باستقطاب الفرنسيين والغربيين معه. ومسلمون يطفشون من بلدانهم محمَّلين بأثقل ما تستطيعه أكتافهم من فهم لدينهم، يتعارض مع الفهم الفرنسي له، وللأديان كافة. وما يزيد من وطأة هذا الثقل أن الفرنسيين، الفخورين جدا بتراثهم الفكري المعادي لرجال الدين، والفاصل بينه وبين الدنيا، يرغبون بـ"إدماج" أولئك المهاجرين في ثقافتهم. وكلما ارتفعت جهود هذا "الإدماج" زادت العنصرية الصريحة وانعدام العدالة الاجتماعية. كلما زاد تمسّك المهاجرين بدينهم، بصفته هويتهم التي تنحو الثقافة السائدة إلى إذابتها في هوية "مواطنية"، فرنسية لا تؤمِّن لهم العدالة المعنوية والاقتصادية. وفي ذاك المناخ بالذات: أي صعود اليمين المتطرّف، واضطرار الأقل تطرّفاً، بل اليسار المتطرّف، إلى مسايرة الجو، والاستجابة لفكرة "الحل الأمني" مع الإسلامية والحهادية والإرهاب..

رواد الثقافة الفرنسية كانوا، في القرن الماضي، يخوضون معارك ضد التمييز العنصري وانعدام العدالة الاجتماعية، بكل ما أمكنه مجال المعاني الجديدة من احتوائه. الآن، لا تجد على ساحة المعاني، خالقة المناخات بامتياز، سوى فلاسفة نجوم، مثل برنار هنري ليفي، أو ميشار أُنفري، أو روائيين مثل ميشال أولْبيك، أو كتّاب مثل إريك زيمور .. هؤلاء يسيطرون على الساحة الفكرية - الإبداعية، يوحدّهم عداؤهم للإسلام والمهاجرين المسلمين، وضرورة حماية فرنسا منهم. وجلّهم ينعى فرنسا التي ستكون بعد حين تحت سيطرة المسلمين، أو الإسلاميين، لا فرق. 

في العالم كله، يمينٌ شعبوي يزايد على يمين أقلّ منه تطرّفاً وينجح باستقطاب الفرنسيين والغربيين معه

من فرنسا صاحبة الأدوار الريادية القريبة، إلى فرنسا خالقة المعاني المضادّة لها، جذرياً أحياناً. ورئيس جمهورية لا يرى سبيلاً لإعادة انتخابه سوى المزايدة على المزايدة اليمينية المتطرفة. إنه وضع غير مريح لرئيسٍ حالفه الحظ ذات يوم. من أين يأتي بالمعاني في هذه الحالة؟ من التراث الأبعد لفرنسا. وكأن القريب منه مات بغير رجعة. هكذا حضر عصر "الأنوار" في خطابه التأبيني للأستاذ الضحية. وقد جرى في إحدى باحات جامعة السوربون، للتأكيد على عراقة هذا التراث، فهذه الجامعة بنيت منذ ثمانية قرون. أي بماضٍ أبعد من عصر "الأنوار". 

ليس تحقيراً بهذا العصر الذي يمدّ البشرية بأنْبل ما أنتجه الإنسان من معانٍ. إنما، كيف يتناولها صاحبها على أرض الواقع؟ كيف يتم تطبيقها؟ هل يؤمن بها فعلاً الرئيس؟ هو الذي يغضّ الطرف عنها عندما تكون "المصالح العليا للدولة" متناقضةً مع مضامينها؟ بل عندما تُقتل هذه الأفكار على مذبح الحسابات الداخلية، الانتخابية خصوصا؟ هو أيضا يستنجد بتراثٍ قديم، هو عزّة فرنسا وثوابتها. ولكن، كما لم يطوِّر المسلمون دينهم ولم يصلحوه، كذلك، لم يصلح ماكرون "دينه" العلماني الجمهوري، بحيث يتماشى مع واقعه الداخلي ويعالجه. لتصبح "الأنوار"، في هذه الحالة، ميراثا جامدا هي الأخرى. ويكون إنطفاؤه بتحويله إلى "الصواب السياسي"، الذي بتكراره، يعْطب حرية التفكير نفسها، ومعها حرية التعبير. ومعه مصير المهاجرين والمقيمين على حدّ سواء.