هذه المخاوف من ضياع فتح

06 ابريل 2021
الصورة
+ الخط -

ترافق إعلان انتخابات فلسطين مع تصاعد الخطاب المحذّر والمتخوف من نتائجها، ومن احتمال تفكّك حركة "فتح" وتشظيها، بحكم تداعيات هذا على تنظيم البيت الفلسطيني وترتيبه، وعلى مستقبل القضية الفلسطينية. وقد شهدنا تصاعداً واضحاً في عدد هذه التعبيرات وحدّتها بعد إغلاق باب الترشح للانتخابات التشريعية، وتبيان عجز حركة "فتح" بقيادتها الراهنة، عن تدارك الخلافات الحركية الداخلية، كما تبين في فشلها، في تشكيل قائمة "فتحاوية" موحدة، ذات برنامج واحد وواضح. لذا بات التنافس "الفتحاوي" - "الفتحاوي" أمراً مؤكّداً، لا سيما بين القائمة الرسمية بقيادة محمود العالول، وقائمة مروان البرغوثي، وناصر القدوة، وبشكل أقل قائمة محمد دحلان.

تحولت "فتح" اليوم إلى بنية سياسية مغلقة وجامدة، مبنية على حلّ الدولتين والتفاوض والعمل في إطار البنى السياسية الفوقية، المنفصلة عن حركة الشارع ونضاله

يتطّلب هذا الحال مزيداً من التمعّن في ما يحصل فلسطينياً اليوم، وفي ما حصل في السنوات الماضية، فمن ناحية أولى. وفي ما يخص المرحلة الراهنة والتصارع "الفتحاوي" - "الفتحاوي" المحتدم، يجب ملاحظة مدى هامشية الخلاف السياسي بين مجمل القوائم المنبثقة من حركة "فتح" من قائمتها الرسمية إلى قوائمها غير الرسمية، مروراً بالقائمة الأكثر شهرة إعلامياً، المنبثقة عن تحالف مروان البرغوثي، وناصر القدوة. وهو المؤشّر الأخطر على ترهل الحركة وجمودها الفكري وتكلسها التنظيمي، انطلاقاً من خصوصية حركة "فتح" ومن طبيعتها المركزية التي قامت عليها، والمتمثلة بأنّها حركة تحرّر وطني ذات مرونة سياسية وفكرية، تضم في إطارها التنظيمي مختلف التوجهات الفكرية والأيديولوجية والسياسية المتفقة حول فكرة وحيدة وواحدة، هي التحرّر من الاحتلال الصهيوني. أي إنّ الحركة تحولت اليوم إلى بنية سياسية مغلقة وجامدة، مبنية على حلّ الدولتين والتفاوض والعمل في إطار البنى السياسية الفوقية، المنفصلة عن حركة الشارع ونضاله، سواء كان فلسطينياً أم عربياً ودولياً، وبالتالي فقدت الحركة تنوّعها الفكري وتبايناتها السياسية واختلافاتها الأيديولوجية، بصورة شبه كاملة. وهو ما أسفر اليوم عن قائمتين أو ثلاث وربما أكثر؛ هناك قوائم أخرى كثيرة تضم في قوائمها كوادر حركة فتح الذين يحملون السمات السياسية نفسها، وتقريباً البرنامج السياسي نفسه القائم على منطق الدولتين، مع اختلافات بسيطة بشأن الآليات والأدوات. وعليه، لا يمثل البرنامج السياسي سبباً في تعدد قوائم حركة فتح بل يُعزى السبب إلى تراجع ثقة جزء من "الفتحاويين" بقيادتهم الراهنة وبقراراتها، وإلى رفض المظاهر التسلطية والاستبدادية ومظاهر النهب والفساد الرسمي، على صعيدي الحركة والجسم السياسي الفلسطيني.

يخلو خطاب مجمل قوائم "فتح" وبرامجها من أيّ نقد موضوعي وعلمي واضح

طبعاً، لا يصح التقليل من أسباب الخلاف "الفتحاوي" - "الفتحاوي" على الرغم من غياب الخلافات السياسية والبرامجية، لكنّ المحزن بذلك هو حجم التسخيف والاستهتار السائد، فالفساد والتسلط والاستبداد والنهب المنتشر اليوم، أو بالأصح منذ زمن بعيد، هو نمط مؤسساتي راسخ في بنية الجسم السياسي الفلسطيني، والفصائلي عموماً. وبالتالي، تتطلب معالجة هذا الخلل البنيوي ما هو أكثر من خوض معركة قائمة على شخصنة الأزمة أو المشكلة. بمعنى أنّ القضية لا تكمن في شخص رئيس حركة فتح ورئيس السلطة الوطنية ومنظمة التحرير فقط، مع التأكيد على مسؤوليته فيها، بل تعود إلى تدمير مؤسسات العمل الوطني تاريخياً، وفي مقدمتها مؤسسات منظمة التحرير، وحرفها عن هدفها الرئيسي المتمثل في خدمة شعب فلسطين وقضيتها إلى خدمة صاحب السلطة والجاه والمال، وإلى الانتفاع بخيرات المنظمة المالية والجهوية. إذ يخلو خطاب مجمل قوائم حركة فتح وبرامجها من أيّ نقد موضوعي وعلمي واضح، يعمل على تفكيك (وتحليل) الأزمات التي نغرق بها بشكل علمي وموضوعي وجذري، ما حوّلها إلى مجرد قوائم متنافسة على السيطرة والهيمنة لا أكثر. الأمر الذي ينذر باستمرار المظاهر والمشاكل والأزمات الفلسطينية نفسها داخل فلسطين وخارجها، بل قد تتضاعف وتتسارع وتيرتها، خصوصاً إن أخذت بالاعتبار تجربة صعود محمود عباس، وسيطرته على زمام الأمور "الفتحاوية" والفلسطينية، فقد صعد عباس في سنوات ياسر عرفات الأخيرة، عبر نقده ومعارضته تسلطية عرفات واستبداديته وتفرّده، وقدّم نفسه عرّاباً للديمقراطية والشفافية والمصداقية الشخصية والمؤسساتية، الأمر الذي اعتبره كثيرون فرصة سانحة من أجل كسر هيمنة عرفات، وتحكّميته المطلقة بكلّ شاردة وواردة، من خلال دعم مطالب عباس، وتمكينه من انتزاع جزء من سلطات عرفات أولاً، وتوليه زمام الأمور خلفاً لعرفات ثانياً. ومن أفضل من عباس من أجل لعب هذا الدور بحكم خطابه الديمقراطي من ناحية، وبحكم ضعف شخصيته القيادية والجماهيرية، وفقاً لهم من ناحية ثانية، لا سيما عند مقارنتها مع شخصية ياسر عرفات. لكنّ الجميع يعلمون ما حصل لاحقاً، وكيف تحوّلت فترة سيطرة عباس إلى مرحلة تسلطية واستبدادية وتفرّدية بشكل فجّ وعلني ومباشر من دون أيّ تجميل.

باتت "فتح" عاجزة عن استعادة نسقها كحركة تحرّر خسرته منذ سبعينيات القرن الماضي. وكذلك باتت البنية السياسية الفلسطينية، اليمينية واليسارية، متهالكة

وبالتالي، نحن أمام فصل جديد من فصول أزمة، أو بالأصح أزمات، حركة فتح السياسية والبنيوية والتنظيمية والمالية المتراكبة والمتداخلة، التي تعبّر عن ترهّل الحركة، وربما تفضي إلى خسارتها مكانتها السياسية والشعبية، من دون أن تنهيها. لكن وعلى الرغم من تداخل الأزمات الفلسطينية و"الفتحاوية" وتراكبها، فإنّ منشأ كلّ منها مختلفٌ عن الآخر، فمنها أزماتٌ يعود أصلها أو ملمحها الأول إلى بدايات تكوين الحركة، لا سيما بما يخصّ القيم الديمقراطية المعروفة اليوم، غير أنّ مرحلتي البرنامج المرحلي أولاً، واتفاق أوسلو ثانياً، هما اللتان شهدتا تراكباً وتداخلاً وتصاعداً لهذه الأزمات، فمنذ ذاك الزمن، بدأ إقصاء غالبية معارضي البرنامج المرحلي من بنى الحركة وجسمها، ومن الساحة الفلسطينية، وتم أيضاً تحويل الحركة المتفاخرة بسموها عن الخلافات الأيديولوجية والنظريات السياسية إلى حركة اللون والبرنامج والشكل والصوت الواحد والأوحد، بداية مع عرفات وصولاً اليوم إلى محمود عباس. لذلك، ومع كلّ الاحترام والتقدير تجاه غالبية المتخوفين من تأثير الخلافات "الفتحاوية" على مجمل الوضع الفلسطيني، يعتقد الكاتب أنّ المرحلة الراهنة لا تستوجب التخوف بقدر ما تستوجب البحث في كيفية الحدّ من أثار ذلك. إذ باتت "فتح" عاجزة عن استعادة نسقها كحركة تحرّر خسرته منذ سبعينيات القرن الماضي، وكذلك باتت البنية السياسية الفلسطينية، اليمينية واليسارية، متهالكة ومنساقة مع الحركة بكامل إرادتها، الأمر الذي أخرجها من الحسابات الفلسطينية، باستثناء حركة "حماس" التي مكّنتها بداياتها الجذرية وقدراتها المالية من اختراق المجتمع الفلسطيني، والسيطرة على جزء كبير منه، لكنّها وبكل وضوح، ولا سيما بعد تعديل برنامجها السياسي، قد باتت نسخةً عن حركة فتح. كما علينا الإقرار بقِدم هذه الأزمات وبقصور الجهود التي عملت على تداركها وتجاوزها، وبعبثية المراهنات على حيوية الحركة، وعلى قدرتها على تجاوز الأزمات واستعادة المسار الأساسي، كما راهن غالبية المتخوفين اليوم، حتى باتت ضرورة، بل ربما حتمية، في طريق استعادة شعب مساره التحرّري، وجميع حقوقه المستلبة.