هذه العودة في تونس إلى الشوارع

هذه العودة في تونس إلى الشوارع

01 أكتوبر 2021
الصورة

احتجاج في شارع الحبيب بورقيبة في العاصمة تونس ضد قيس سعيّد وقراراته (26/9/2021/Getty)

+ الخط -

ربما لم يكن أكثر المراقبين خيالا يتوقع التسارع الحادث حاليا في المشهد التونسي، منذ إعلان الرئيس قيس سعيّد عن إجراءاته الرئاسية يوم 25 جويلية (يوليو/ تموز) الماضي. وقد بدأ المشهد السياسي التونسي في حالة حراك متسارعة، لا يمكن توقع نتائجها على الأقل في المدى المنظور.

كان الفصل 80 من الدستور التونسي المعلق الأداة التي استند إليها الرئيس لتجميد البرلمان وحلّ الحكومة وإلغاء هيئات دستورية، وكان المتوقع أن يكون الأمر مرتبطا بمدى زمني واضح، إلا أنه تحول لاحقا وبعد شهر إلى أجل غير مسمى، أو كما عبّر عنه المرسوم الرئاسي "إلى إشعار آخر". وهكذا أُسقط في يد بعض القوى الحزبية والمنظمات الاجتماعية التي كانت تتوقع أن الأمر يتعلق بمجرّد إعادة تنظيم للمشهد، والتخلص من شوائب الفساد، لتكتشف أن وضع الاستثناء سيصبح هو الأصل، وأن الوضع الدستوري الطبيعي أصبح من قبيل السراب هذا الذي يُطلب فلا يُدرك. ومن هنا، بدأت تظهر بيانات ومواقف لقيادات حزبية وشخصيات مدنية تناهض المنحى الذي أصبحت تسير البلاد فيه. وكان التعبير الأولي لهذا الرفض هو نزول الجمهور إلى الشارع يوم 18 سبتمبر/ أيلول، ولم يكن الأمر بترتيبٍ من أحزاب ولا قوى سياسية، بقدر ما هو تعبيرٌ عن توافق بين ناشطين على صفحات التواصل الاجتماعي، وجزء مهم من الشارع المستاء مما يجري في البلاد.

كان رد رئاسة الجمهورية على تحرّكات الشارع المناهضة لتوجهاتها غاية في الحدّة، في صورة خطاب نعت المتظاهرين بالمخمورين

كان رد رئاسة الجمهورية على تحرّكات الشارع المناهضة لتوجهاتها غاية في الحدّة، وجاءت في صورة خطاب نعت المتظاهرين بالمخمورين، وشكّك في دوافعهم ونواياهم بشكلٍ فتح الباب نحو مزيد من توتر المشهد العام، ولتتسارع الأحداث نحو إعلان مراسيم جديدة تحل محل دستور الثورة، وتمنح كل الصلاحيات والسلطات التنفيذية والتشريعية لرئيس الجمهورية، ولا يتم الاحتفاظ إلا بفصول قليلة من دستور 2014 الذي أصبح واقعيا ملغى ولا أثر له. وقد أفضى هذا التوجه إلى تغيير مواقف قوى حزبية كثيرة كانت تؤيد إجراءات الرئيس بتحفّظ إلى إعلان معارضتها له، ونعني هنا تحديدا حزب التيار الديمقراطي. وهكذا إذا استثنينا حركة الشعب، ذات التوجه القومي التي تؤيد كل الإجراءات السلطوية، فلا تكاد تجد حزبا سياسيا برلمانيا أو معبرّا عن تيار له وزنه من اليمين إلى اليسار يؤيد الإجراءات التي صادرت الدستور، وعادت إلى سقف الحكم بالمراسيم والقرارات الفردية.

تبدو تونس، وهي تدخل الشهر الثالث من حكم الإجراءات الاستثنائية، أكثر إنهاكا في ظل أزمة سياسية واقتصادية حادّة، وحالة انقسام مجتمعي غير مسبوق

يعود الاحتكام إلى الشارع، وإذا كانت المجموعات القليلة التي تظاهرت، يوم السبت 25 سبتمبر، تأييدا للرئيس، قد ظهرت في حالةٍ من التشنج والعنف اللفظي، وصولا إلى حرق دستور البلاد، والتحريض على المعارضين، والدعوة إلى التعسّف، وإغلاق باب الحقوق والحريات، فإن تظاهرة يوم الأحد 26 سبتمبر المعارضة لإجراءات الرئيس، وما يسميه منظموها انقلابا، جاءت تحمل رسائل عديدة، أولها أن الشارع التونسي لا بزال قادرا على إعادة تعبئة نفسه، والخروج للتعبير عن تطلعاته. وإذا كانت حالة من الترقب قد سادت الشهر الماضي (سبتمبر/ أيلول) في ظل نوع من الدهشة التي أصابت الأحزاب والقيادات السياسية، فإن ناشطي المجتمع المدني وشباب مواقع التواصل الاجتماعي كانوا الأكثر قدرةً على إعادة تجميع صفوفهم، والدعوة إلى التحرّك في الشوارع. وما ينبغي أن يدركه الجميع أن لا أحد في تونس يمكنه أن يتحدّث باسم الشعب، أو أن يدّعي أنه الممثل الشرعي الوحيد له، ففي مقابل مؤيدي الرئيس، يوجد الشارع الآخر الذي يعيد تنظيم صفوفه، وأعاد جمع شخصياتٍ سياسيةٍ كانت تعمل معا ضد استبداد زين العابدين بن علي، ثم فرّقتها مصالح السياسة بعد الثورة، وها هي اليوم تعود لتتقارب، فنجد مشهد المعارضين يضم زعيم حزب العمال، حمّة الهمامي، والرئيس السابق، المنصف المرزوقي، وأحمد نجيب الشابي وعصام الشابي من الحزب الجمهوري، وغيرهم، بالإضافة إلى الحراك في أوساط المحامين والقضاة والقوى المدنية المختلفة.

تبدو تونس، وهي تدخل الشهر الثالث من حكم الإجراءات الاستثنائية، أكثر إنهاكا في ظل أزمة سياسية واقتصادية حادّة، مضافا إليها حالة انقسام مجتمعي غير مسبوق، وهو أمرٌ يدعو كل الأطراف إلى مزيد التعقّل والحكمة، لأن مزيدا من التأزيم وإثارة الصراعات الجانبية لن يكون إلا مدخلا للفوضى. وهل يُعقل أن مشكلات اقتصادية حادّة ومديونية مرتفعة وتوترا اجتماعيا وهجرة غير نظامية ومشكلات في التعليم وتفاوت التنمية بين الجهات يكون حلها عبر أزمات دستورية وصراعات سياسية وتعبئة الشوارع المتقابلة!؟ يبدو أن تونس مرشّحة لمزيد التطورات المتسارعة، حيث لا يمكن توقع ما ستكون عليه الأمور في مقبل الأيام.