هذا الهجوم الإسرائيلي اليميني على فيلم "الأوديسة"
ملصق ترويجي لفيلم "الأوديسة" في كراكوف قي بولندا (5/8/2026 Getty)
يمكن ملاحظة أن هناك بداية حمّى هجوم يميني إسرائيلي على فيلم "الأوديسة" للمخرج كريستوفر نولان، سببه الرئيس أنّه فيلم يقدّم رؤية فنّية تركّز على ما يتداعى من الحرب من كلفة إنسانيّة ونفسيّة، بدلاً من الاحتفاء بما تحفل به من بطولات تقليدية، ما يجعل رسالته الأساسيّة تتجاوز العصر الإغريقي وتتقاطع بوضوح وعلى نحو مباشر مع أهوال الحروب المعاصرة، التي تُعدّ إسرائيل من أبرز الذين لا يزالون يخوضونها، كما حالها منذ "7 أكتوبر" (2023).
وبالإمكان الاستدلال على أسباب هذا الهجوم من خلال ما نُشر حوله، على سبيل المثال، في موقع ميداه وفي صحيفة مكور ريشون قبل أيّام. وفي كليهما نصادف مؤشّرات على أنّ الهجوم يطاول أيضاً الفيلم السابق لنولان، "أوبنهايمر" (2023)، الذي يتأمّل فيه كذلك مرور الزمن على الحرب، بينما يدرك أنّ القدرة الابتكارية والإبداعية التي جلبت النصر المنشود في حرب طويلة الأمد تحمل في داخلها أيضاً بذور الكارثة التي ستدمّر حضارته هو نفسه. ففي الفيلمين ثمّة حرب طويلة ودامية، والانتصار فيها يحتاج إلى اختراع قاتل وخطر يولّد بذور الكارثة التي قد تدمّر الحضارة نفسها. ويتمثّل هذا الاختراع الخطر في "الأوديسة" في "حصان طروادة" بينما تمثّل في "أوبنهايمر" في القنبلة الذريّة إبان الحرب العالمية الثانية. وذلك كلّه بينما يعود البطل من ساحة الوغى إلى الحياة المدنية، ليكتشف أنّ المجتمع الذي تجنّد للدفاع عنه قد فسد وتشوّه بصورة لا يمكن التعرّف إليه. بكلمات أخرى، يمثل كلا الاختراعين، في عالم نولان السينمائي، لحظة تحوّل مأساوية في السلوك الإنساني هي لحظة ابتكار تقني أو ذهني خالٍ من الضوابط الأخلاقيّة سعياً لحسم صراع ممتدّ. أمّا في القراءة الإسرائيلية فهناك دفاع مستميت عن استخدام القنبلة الذرية ضدّ اليابان في الحرب العالمية الثانية، بحجّة أنّ البديل عنها لم يكن أقلّ وحشية. ومثلما كتب أحد مهاجمي نولان: في عام 1981 نشر المؤرّخ الأميركي الذي حارب في الحرب العالمية الثانية، باول فوسل، مقالة حادّة بعنوان "شكراً لله على القنبلة الذرية"، عرض فيها الحجج المؤيّدة لاستخدام القنبلة بصورة مفصّلة ومقنعة للغاية، خصوصاً بالنسبة إلى من خدموا في خطّ التماس في الجبهة، وعايشوا أهوال الحرب بصورة مباشرة. وفي القرن الرابع عشر قبل الميلاد، لو سألوا قدامى المحاربين في الحرب الطروادية، لكانوا وقّعوا على كلّ كلمة: "شكراً لله على حصان طروادة".
من الأسباب الأخرى للهجوم الإسرائيلي أنّ "الأوديسة" يقدّم أوديسيوس لا بوصفه رمزاً للمجد والقوّة، بل رجلاً يُعاني من أزمات نفسيّة عميقة، وتحاصره ندوب ناجمة عن أخطائه وعن تكتيكات قاسية مثل خديعة الحصان، ما من شأنه أن يُفرّغ فكرة النصر من أي قيمة احتفاليّة، وأن يحوّلها لمأساة إنسانية. ولقد جرى التنويه في القراءات الإسرائيلية التي نتوقّف عندها بأنّه، من الناحية التاريخيّة، ركّزت القراءات التقليدية لملحمة "الأوديسة" على ذكاء أوديسيوس وخديعته، في حين أنّ نولان عمد إلى وضع هذه الخديعة وكلّ الأساليب العسكرية تحت مجهر الأخلاق، رافضاً فكرة أنّ الغاية تبرّر الوسيلة في الحروب.
من المهم أيضاً أن نشير إلى أنّ ما أثار إزعاج اليمين الإسرائيلي في عالم نولان السينمائي هو أنّ فيلم "الأوديسة" لم يتوقّف عند حدود جبهة القتال بل أفرد مساحة واسعة لإيثاكا التي بدت منهكة تحت وطأة غياب ملكها. هذا الطرح يعيد التذكير بأنّ أثر الحروب لا يتوقّف عند جبهات القتال، بل يمتدّ لينهك نسيج المجتمع الداخلي واقتصاده ونفسية أفراده.
إجمالاً، يمكن القول إنّ أشدّ ما يزعج اليمين في إسرائيل في فيلم "الأوديسة" رفضه تقديس الحرب ومنحها غطاءً أخلاقياً كاملاً في لحظات الاستقطاب والتعبئة العسكرية، وإصراره على تذكير المشاهد بأنّ أهوال القتال تُلاحق المنتصر أيضاً، فضلاً عن تركيزه بالكامل على أوبئة الحضارة الغربية التي تنهشها من داخلها.