هذا المنعطف الفلسطيني
لا بأس من تكرار المكرّر، وهو هنا ومن قبلُ، أن القضية ليست حركة حماس ولا سلاحها، بل أهل غزّة وإنقاذهم، ما أمكن، مما هم منكوبون به. ليكن هذا هو السؤال وليس غيرُه. وحسناً صنعت الحركة المجاهدة أنها، من أجل الشعب الفلسطيني في القطاع، وافقت على تسليم سلاحها الثقيل (هل لديها سلاحٌ ثقيلٌ حقاً؟ ما هو؟) للجنة الوطنية الفلسطينية التي لم تأذن لها إسرائيل بعد بدخول قطاع غزّة، وتتعاون إيجابيّاً مع مخرجات اتفاق وقف إطلاق النار ومقتضياته، ومنها أن تنسحب من إدارة شؤون الناس في غزّة، وأن يتولى مجلس السلام (الاستعماري على ما يوصَف عن حقّ) هذا الأمر، من خلال اللجنة. أمّا أن "حماس"، وهي تمشي في هذا كله، كأنها تعلن هزيمتها أمام العدو المتوحش، فهذا من تحصيل الحاصل، فليس من تسميةٍ للحادث في غزّة سوى هزيمة مشهرة، ليس فقط للحركة المقاوِمة، بل أيضاً للمشروع الوطني الفلسطيني، أياً من كانوا في إهابه. وهناك حاجة شديدة الضرورة لإعلان هذا الإقرار، ليكون أول عتبةٍ في مراجعةٍ مطلوبةٍ وملحّة، تبادر إليها نخبةٌ شجاعة، ووطنيون نزيهون، من الكل الفلسطيني، تجيب، بالصراحة بداهةً، عن السؤال إياه بشأن ما أوصل غزّة إلى المحنة الماثلة، وتعيّن المسؤوليات عن هذا كله، مع التسليم بالبديهيّ المؤكّد الذي يؤشّر على وحشية مجرمي حرب الإبادة في دولة الاحتلال عن التمويت المستمرّ في القطاع، وعن التهديم والتجويع والحصار والتشريد وكل جريمة مثيلةٍ ارتكبها أولئك في الشعب المنكوب هناك. من دون النوم على هذه المسلّمة، واعتبارها تعفي أي طرفٍ فلسطيني، مهما كان، عن قسطه في نقصان القدرة على تقدير المواقف وحساب الرهانات والخيارات، ثم في التقصير الفادح من هذا الطرف أو ذاك، هذه السلطة أو تلك، هذا الجار أو ذاك الجوار، في نصرة أهل غزّة في أثناء زوابع القتل اليومي فيهم. وفي هذا كله، ستكون حركة حماس وقيادة منظمة التحرير والحكومة الفلسطينية وأكثر من دولة عربية في عداد الذين سقطوا في اختبار سياسي وأخلاقي ووطني وميداني كبير.
"حماس"، في الأول والأخير، حركة مقاومين أبطال، يُعجزون مخيّلة كل صاحب بيان ومجاز إذا ما أراد توصيف بسالتهم وفدائيّتهم. والذي صنعه شبّان مخلصون من هؤلاء في موقعة "7 أكتوبر" (2023) كان استثنائياً في إصابته العدو الإسرائيلي بصدمةٍ رجّت زهو المشروع الصهيوني في بنائه دولة الأمن والأمن لكل يهودي ويهودية في "أرض الميعاد". ليس النقاش الفلسطيني الملحّ، والذي تفرضه ضروراتٌ قصوى، في هذا الموضع أبداً، بل في البحث عن أنجع الوسائل في إسعاف الغزّيين وهم في ما هم فيه، ذلك أن هذا الأمر ليس محمولاً على مسؤولية الهلال والصليب الأحمرَين، ولا هيئات الإغاثة وأياديها البيضاء، وإنما هو في مقدّمة أولويات مشاغل المجموع الفلسطيني، كلٌّ في موقعه وموضعه. ذلك أنها صارت شديدة البؤس، وعديمة الأخلاقية، الإقامة المريحة في مرابع التغنّي بفرادة التضحيات الفلسطينية، ومعها الصمود، وبقوافل الشهداء. ليس فقط لأن فلسطينيين دون غيرهم من يُدفعون إلى تقديم التضحيات، ومن يقاومون ويستشهدون، وإنما أيضاً لأن الذي بات ساطعاً في وضوحه أن هذا المسار لا أفق له، سيما أنها باتت مُضجرةً وخارج مزاولة العقل وظائفه، حرفة تصنيف الناس إلى خونة وأبطال، إلى مقاومين وتسوويين، فإذا كان أهل القرار الفلسطيني ممن ذهبوا إلى التسويات والمفاوضات لم يُحرزوا للمشروع الوطني العتيد آفاقه المشتهاة، ولا عتباته المأمولة، فإنهم كما الذين اختاروا معارضتهم بعمليات استشهادية (بطولية ومقدّرة) وبصواريخ بدائية على مستوطنات في غلاف غزّة، وبمسيرات عودةٍ استُشهد أكثر من 60 فلسطينياً في يومها الأول، من بين أزيد من ألف قضوا تباعاً، وبكل عمليات المقاومة التي استهدفت مدنيين إسرائيليين، هؤلاء لم ينجزوا المُراد الذي بذلوا من أجله حياتهم، حماهم الله ورحم الشهداء الأبرار منهم.
ما تمضي فيه "حماس" منذ ما سمّي وقف إطلاق النار في غزّة في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، وما تسلكه في تنفيذ خطة ترامب وترتيبات مجلسه للسلام (الاستعماري كما يجب الإلحاح على تسميته)، وما تستجيب فيه لترتيباتٍ تنطبخ في دوائر أميركية وإسرائيلية وبعض عربية، هذا كله يأخذ الحال الفلسطيني إلى منعطفٍ مستجد، من عناوينه الرجوع القهقرى كثيراً في مسار المشروع الوطني الغائب، ما يُصيّر أولى الأولويات إسعاف أهل غزة، ما أمكن، على ما تكرّر القول في مبتدأ هذه السطور، وفي سابقاتٍ لها.