هذا الخطاب عبر وسائل التواصل

22 أكتوبر 2025   |  آخر تحديث: 02:35 (توقيت القدس)

(Getty)

+ الخط -

يُنسب لصموئيل كولت أنّه قال عند إعلانه اختراعه المسدّس: "Now the brave man and the coward are equal"، وترجمتها البسيطة المباشرة: "الآن، الشجاعُ والجبانُ متساويان". وقد يصلح هذا القول لوصف الناس أكثر بعد اختراع وسائل التواصل الاجتماعي وانتشارها في أرجاء المعمورة. صار المرء قادراً على الحديث من خلف ستار وهمي، أو بسفورٍ وظهورٍ مباشر، وصار بالإمكان الاشتباك عبر القارّات وتجاوز البحار والمحيطات، وما يحصل في أصغر قرية في العالم يمكن للمهتم متابعته في بكين أو سيدني أو نيويورك أو الرباط أو برلين. تقارب الناس كثيراً، لكنّهم تباعدوا أيضاً بالدرجة نفسها وربّما أكثر. لم يعد للغربة هذا الوقع الفاجع الواخز والثقيل، فالأهل يتواصلون يوميّاً إن شاؤوا، بالصوت والصورة، يعقدون قران أبنائهم وبناتهم، يعزّي الناس بعضهم بعضاً بفقد الأقارب والأصدقاء ويباركون بالأفراح، يتناقلون الأخبار ويسمعون الأغاني، ويقرأون الكتب ويدلون بدلائهم في كل شاردةٍ وواردة. لكنّهم أيضاً تباعدوا كثيراً، فالتواصل عن بعد، ومهما كانت تقنياته متطوّرة، لا يمكنه التعويض عن احتضان الوالدين أولادهم، ولا نقل حركات الجسد وتعبيراته كما هي، ولا بثّ كيمياء الحضور الفيزيائي بتفاصيلها وتأثيراتها. الوصل هنا قطيعة من نوعٍ مختلف، وصل على مستوى خارجي، وربّما قطيعة جوّانية لا تلاحظها العيون.

أعفت وسائل التواصل الناس من مشقّة المصداقية في أحيانٍ كثيرة، فالخجل من الكذب أو الخوف من عواقب الافتراء تحجبه المسافات وتمنعه الشبكات، فلا تحمرّ الوجوه ولا تضطرب الأنفاس، بل ربّما تتوسّع الحدقات زهواً بالنصر المبين كما هو نصر دون كيشوت على طواحينه. أعطت التقنيةُ الجهلةَ منصاتٍ يحاضرون من خلالها بالمثقفين والعلماء، لا بل ويقرّعونهم أيضًا إذا لم يوافقوهم الرأي أو الهوى أو الغرائز. وأعطت أيضاً العُهر مساحاتٍ ليحاضر فيها بالشرف، والمجرمون بالعدالة، والخونة بالوطنية. هنا شابٌ فصيحٌ يُطلّ علينا بطاقيّة راعي البقر، ويحاضر فينا بالعلمانية، يخاطب عقولنا الغبية مشفقاً علينا من جهلنا، ونحن بانتظار إطلالته الجديدة ليشرح لنا الليبرالية وليعبُر من السياسة إلى الاقتصاد ثم إلى التاريخ والفنّ والموسيقى، وربمّا إلى الفضاء الكوني باتساعه وإلى نواة الذرة ومكوناتها! وهناك رئيسٌ مصابٌ بجنون العظمة يملأ الدنيا ويشغل الناس عبر منصته الخاصة التي لا يشبه اسمُها أي شيء من معناه. فتحت هذه التقنيات المجال أمام الجميع لممارسة الحريّة، لكنّها بقيت ممارسةً غير مضبوطة بأية مسؤولية، فما المحاسبة التي يمكن أن تطاول من يخرُق قواعد السلوك الإنساني أو يتجاوز القيم الأخلاقية فيما يكتب أو يصوّر أو يسجل؟ لا شيء في الحقيقة.

عندما تعجز الحكومات عن تقديم برامج واضحة بمهلٍ زمنيّةٍ محددة لإنجاز المشاريع المطلوبة للنهوض بالبلاد، تلجأ للتخدير عبر منصات وسائل التواصل

تابع السوريون والسوريات مثلاً تداعيات نشر تسجيل صوتي مسيء للرسول محمد (ﷺ) على كامل مساحة بلدهم، وحتى بعد أن ظهر جليّاً زيف نسبة هذا التسجيل لمن نُسب إليهم، بقيت ردات الفعل الغاضبة تتدحرج حتى وصلنا إلى ارتكاب اعتداءاتٍ خطيرةٍ في جرمانا وصحنايا، وهذه الأخيرة مهّدت للمجازر التي وقعت لاحقاً في السويداء. شيطنةُ المتخاصمين بعضهم بعضاً، واستسهالُ خطاب التكفير والتخوين والإقصاء، جميعها أدواتٌ يستخدمها الناس في ما بينهم، فترفع منسوب الكراهية وتزيد الانقسام وتفتّ عضد السلم الأهلي. التعليقات غير المنضبطة ولا الأخلاقية التي يُغرق بها جمهور السلطة مثلاً ردًّا على منتقديها، سواءٌ أكان النقدُ مُحقًا أم مُغرضًا، هي وسائلُ قمع وقهر وإكراه وتحقير. لا يسلم المنتقدون والمنتقدات من المسّ بكرامتهم وشرفهم وكرامة أهلهم وشرفهم أيضًا، بل قد يتعدى الأمر لتهديد حياتهم. حصل مرارًا أن جرى التعرّض لسوريين وسوريات معروفين بثوريتهم وبمعارضتهم نظام الأسد بالويل والثبور، لمجرّد أنهم انتقدوا أداء السلطة الانتقالية بشيء من الصراحة لم تُعهد عنهم مجانبته أيام انتقاد نظام الأسد البائد، وهذه مفارقة تحتاج وقفة عندها.

أورث الانفلات المعلوماتي، إن صح التعبير، وأورثت سهولة الوصول إلى الجمهور أيضاً، حالة غريبة من الإظهار والإخفاء. جرى تعويم التفاهة والانحطاط والسطحية لتصبح سائدةً في التداول، ومعياراً في القبول، وميزاناً للنجاح والتفوّق. تمّ إغراق السوق بالعملة الرديئة فتولّت مهمة طرد العملة الجيّدة منه، وهذا ما يحصل مع النُخب، سواءٌ سياسية أم ثقافية أم فنية أم نقابية، الأمر سيّان ضمن هذا المحيط الهائل من الـ "ترندات" التي لا تنقطع. إغراق الناس بالتفاهة أصبح مسلسلاً يوميّاً لا تنتهي حلقاته، ويظنّ البعضُ أنّه قادرٌ على إلهائهم عن مشاكلهم الحياتية اليومية، الصحة والتعليم والعيش الكريم...وغيرها الكثير! احتفاء السلطات، أغلبية السلطات مع بعض التفاوت حسب طبيعة النظام السائد في البلد، بهذا النمط من تصدير المشاكل، يزيد الطين بلّة. عندما تعجز الحكومات عن تقديم برامج واضحة بمهلٍ زمنيّةٍ محددة لإنجاز المشاريع المطلوبة للنهوض بالبلاد، تلجأ للتخدير عبر هذه المنصات. قلب الحقائق، وجعل الهزائم انتصارات، وتحويل الكوارث والمصائب نعمًا، كلها تصبّ في خانة تخدير الناس، حتى ليبدو وكأنّ هذه الوسائل قد باتت أفيون الشعوب!

جرى تعويم التفاهة والانحطاط والسطحية لتصبح سائدةً في التداول، ومعياراً في القبول، وميزاناً للنجاح والتفوّق

يتحدّث الكاتب السوري فراس السواح عن ثقافة الاستماع عند العرب والمسلمين، فيذكر أنّ القرآن الكريم بقي متداولاً بطريق التلاوة والاستماع رغم جمعه في عصر الخليفة عثمان بن عفان، وذلك لأنّ الورق لم يدخل إلا مع بداية العصر العباسي، فكان من الصعب تناقل نسخ القرآن وغيره من الكتب قبل ذلك. من هنا كان الشعر ديوان العرب، لأنّ المعرفة كانت تُنتج وتُنقل شفاهاً عبر الأجيال، وهذه لا تزال تؤثّر فينا. ويلاحظ هذا في حلقات الذكر وفي الزوايا والتكايا والمساجد. علاقتنا بالمعرفة كانت سماعيّة إلى حدّ بعيد، وقد تركت هذه الطريقة فينا لمساتها، وعندما جاءت وسائل التواصل لتنقل إلينا المعلومات مختزلة بصورة أو منشور صغيرٍ أو تسجيل متحرك (فيديو)، وجدت بيئة خصبة مناسبة لها تماماً.

للعصر الراهن متطلباته أيضاً، فأعمالٌ كثيرة يمكن إنجازها من دون الحاجة للوجود في مكان العمل، أثبتت أزمة جائحة كورونا ذلك، بل إنّ اجتماعاتٍ كثيرة، بما فيها ذات الطابع الأمني والعسكري صارت تجري عبر وسائل الاتصال وبرامجها الخاصة. يدفعنا هذا إلى القول إنّ صفة الواقع الافتراضي، أو تسميته بهذا الاسم، في كل ما يخصّ النشاط البشري عبر وسائل التواصل الاجتماعي، لم تعد ملائمة لمخرجاته الفعلية على مستوى الخطاب والسلوك في حياتنا اليومية. لقد باتت هذه الوسائل جزءاً من الحياة الفعلية لنا، صارت شيئاً من واقعنا الحقيقي وليس الافتراضي. من هنا، لم يعد الخطاب عبر هذه الوسائل افتراضيّاً ولا محصوراً في غرف الزووم أو الواتساب، بل تحوّل الخطاب إلى فعلٍ ذي أثرٍ مباشر وملموس. من هنا، وكما أنّ البشر ينتظمون في حياتهم وفق ضوابط قانونية ذات روادع جزائية، ووفق ضوابط أخلاقية توافقوا عليها عبر تاريخهم الحافل، فإنّ الخطاب والسلوك عبر وسائل التواصل هذه لا بدّ أن يندرجا ضمن ضوابط قانونية وأخرى أخلاقية، حتى لا نبقى ويبقى أولادنا فريسة خطاب الكراهية والتفاهة وآثارهما المدمّرة.

56B14126-91C4-4A14-8239-0C25A8235D5D
56B14126-91C4-4A14-8239-0C25A8235D5D
حسان الأسود

كاتب ومحامٍ وحقوقي سوري، المديرالسابق للهيئة السورية للعدالة والمحاسبة، مقيم في ألمانيا.

حسان الأسود