هذا التضييق في فرنسا على المسلمين لكسب الانتخابات

هذا التضييق في فرنسا على المسلمين لكسب الانتخابات

25 ابريل 2021
الصورة

نساء يتظاهرن في باريس ضد الإسلاموفوبيا (19/10/2019/Getty)

+ الخط -

في أفق الانتخابات الرئاسية والتشريعية في فرنسا العام المقبل، ومع قرب الانتخابات الجهوية في أواخر شهر يونيو/ حزيران المقبل، وفي ظل أزمة صحية متفاقمة، صوّت مجلس الشيوخ الفرنسي يوم الإثنين، 12 إبريل/ نيسان الحالي، على تعديلات لتشديد الإجراءات الواردة في مشروع قانون "تعزيز احترام مبادئ الجمهورية": توسيع منع الحجاب الإسلامي، منع المحجبات من مرافقة أبنائهن في الرحلات المدرسية أو المشاركة والتنافس في الألعاب الرياضية، حظر لبس البوركيني في المسابح، حظر رفع الرايات الأجنبية داخل البلديات خلال حفلات الزواج، منع الصلاة في الجامعات، حرمان الوالدين من الإعانات الأسرية في حالة التغيب. كما تمت إعادة تعريف القانون بإضافة جملة ".. ومكافحة النزعات الانفصالية"، في رجوع إلى المسمى الأصلي الأول. تأتي هذه المزايدات من مجلس الشيوخ الفرنسي الذي يسيطر عليه حزب الجمهوريين اليميني في إطار سباق محموم لكسب أصوات الناخبين، فمعظم الأحزاب السياسية الفرنسية تحاول استمالة الناخبين، عبر اتخاذ مواقف شعبوية تحظى بالدعم الجماهيري، فتقدّم وعود الإصلاح والتغيير مع التركيز على الملفات الرئيسية التي تحظى بأكبر اهتمام، سيما التي ستؤثر في اختيارات المواطنين خلال التصويت.

ولئن كان أول الملفات قد فرضته أزمة كورونا حيث يتفق الجميع، وإن اختلفوا في التفاصيل، على وجوب تحديث قطاع الصحة وإعطائه مزيدا من الإمكانات المالية والبشرية، إلا أن الملف الصحي لا يعتبر الحاسم في الاختيار النهائي للناخبين، بغض النظر عن انتماءاتهم السياسية، فهم يعطون الأولوية القصوى للمواضيع المتعلقة بالأمن والأمان ومحاربة الجريمة، وإدارة الهجرة والحفاظ على الهوية.

رفض إعطاء تراخيص بناء المساجد أو المدارس الخاصة بحجج واهية

هذا كله تؤكّده أحدث استطلاعات الرأي، فقد أظهرت تعاظم الكتلة اليمينية في الوسط الفرنسي، وأصبحت تمثل حوالي 70% من الأصوات، في وقتٍ لا تتخطى فيه كتلة كل القوى اليسارية حاجز 30%. ومن ثمّة، ينحصر السباق على العهدة الرئاسية بين ثلاثة أحزاب رئيسية مصنفة على يمين الخريطة الحزبية، ابتداء من حزب الرئيس ماكرون، الجمهورية إلى الأمام، المصنف في وسط اليمين، مرورا بحزب الجمهوريين، اليميني التقليدي، وصولا إلى التجمع الوطني، اليميني المتطرّف.

أما المواضيع الأخرى التي لا تقل أهمية، مثل الأزمة الاقتصادية أو تكاثر البطالة أو أزمة السكن المتفاقمة أو التعليم، فقَلَّما تُذكر من دون الإشارة إلى الدور السلبي للهجرة والمهاجرين الأجانب، ومن ثمة للإسلام والمسلمين، خصوصا وقد أصبحوا يشكلون في مخيلات فرنسيين كثيرين ذلك الصنف من المهاجرين الذي أبى الاندماج، واستنكف عن الذوبان في المجتمع، وامتنع عن الانخراط فيه وحافظ على ثقافته الأصل، ثم رفض الانصياع إلى قانون الأغلبية والرضوخ إلى متطلباته، فعزل نفسه وانفصل جاهرا بانفصاله، ومطالبا باحترام خصوصياته.

يتجلى رفض هذه الخصوصية في مواقف عديدة ذات طابع سياسي عنصري صرف، وإن تخفت وراء أسباب أخرى، حيث يتم رفض إعطاء تراخيص بناء المساجد أو المدارس الخاصة بحجج واهية. وبما أن الدولة علمانية، وتقف نظريا أمام جميع الأديان وجميع المواطنين على المسافة نفسها، فإن القانون لا يمنع بناء دور العبادة، ولا إنشاء المدارس الدينية. ولذلك يصبح التذرّع بوجود مشكلات تقنية وعدم احترام معايير السلامة، أو عدم وجود مواقف كافية للسيارات، هو الملجأ، فيتوقف المشروع، عدا إذا كان أصحابها ذوي عزيمة قوية، فيلجأون إلى القضاء لينصفهم، إذ لا تصمد الادعاءات الباطلة أمام المحاكم.

أظهرت أحدث استطلاعات الرأي تعاظم الكتلة اليمينية في الوسط الفرنسي، وأصبحت تمثل حوالي 70% من الأصوات

هذا ما وقع أخيرا يوم 9 إبريل/ نيسان الجاري، حين أصدرت المحكمة الإدارية في غرونوبل (جنوب شرق فرنسا) حكما لصالح جمعية إسلامية ذات أصول تركية، توجد في مدينة ألبيرفيل السياحية، وأجبرت عمدة هذه المدينة على إعطاء ترخيص بناء مدرسة إسلامية خاصة. وبما أن القضاء غير تابع للحكومة في دولة ديمقراطية تحترم مبدأ فصل السلطات، فقد قرّر وزير الداخلية الفرنسي، وبطلب من الرئيس ماكرون، تقديم تعديل على القانون السيئ الذكر المذكور أعلاه، لتضمينه بندا يسمح للولاة الاعتراض على فتح أي مؤسسة خاصة "لأسبابٍ مستمدةٍ من العلاقات الدولية لفرنسا أو الدفاع عن سيادتها"، حسب نص التعديل. ومن هنا يكفي أن يكون واحد من أصحاب المشروع ذا أصول أجنبية، أو له علاقة بدولة أجنبية، ليستخرج هذا القانون مثل السيف الصارم حالة إقراره.

التضييق على المسلمين في فرنسا ليس وليد اليوم، لكن الفرق بين الأمس واليوم هو التماهي وسن قوانين كابحة لحرياتهم، فمسلمو الأمس كانوا في مجملهم من الطبقات الكادحة الفقيرة من العمال الذين لا كفاءة لهم، وجيء بهم ليعملوا بسواعدهم على إعادة إعمار فرنسا ما بعد الحرب العالمية الثانية. كان كلُّ همهم كسب قوت يومهم، وإرسال بعض النقود إلى ذويهم في بلدانهم الأصل. كانوا وبحكم عدم إتقانهم اللغة وجنسيتهم الأجنبية وطبيعة عملهم يمشون ورؤوسهم مطأطأة تواضعا لا ينطقون ولا يتكلمون، لا يجاهرون ولا يطالبون، وقابلين وضعهم. أما مسلمو اليوم فهم يعتبرون أنفسهم أبناء البلد، يتعاملون بمنطق صاحب البيت لا بمنطق الضيف، كيف لا، وقد ولدوا وترعرعوا داخل البلد؟ هذا يمثل الجزء الكبير منهم. أما الجزء الثاني فهو من المهن والكفاءات العليا من الأطباء والمهندسين والأساتذة والباحثين والخبراء، هم زبدة الأدمغة المهاجرة الأجنبية التي يقوم عليها شق كبير من الاقتصاد الفرنسي. ويعلم هؤلاء حاجة فرنسا إليهم أكثر من حاجتهم إليها، ويعرفون أنه حتى لو طبق مبدأ الهجرة الانتقائية، فسيكون لهم مكان ومكانة في هذا البلد.