هانت يا أصحاب

هانت يا أصحاب

28 يناير 2022
+ الخط -

يجلس أصدقاء إلى طاولة عشاء، بمنتهى الظرافة والمرح. تجمعهم محبّة وصداقة مديدة في الزّمن. حينها، قد تشعر بالأسى، لأنّك غير محظوظ بأصدقاء بهذا الوفاء والانسجام. الأصدقاء الذين على قول الشاعر الأيرلندي ويليام ييتس "المنزل الوحيد الذي أملكه". ومن لا يملك أصدقاء بدفء المنازل فقير في هذه الحياة. تنتابك الحسرة أمام المشاهد الأولى، تماماً كما في مشاهد البداية لأفلام الرُّعب والإثارة، حيث تبدأ هذه الأخيرة بكادرٍ بعيدٍ لبيتٍ جميلٍ تُحيطه حديقة مُدهشة، ومنظر بانورامي. تقترب الكاميرا من نوافذ بيت الأحلام هذا، تتراءى لك أسرةٌ جميلةٌ تتناول العشاء في إضاءة دافئة .. تُفكّر، هذه هي الحياة التي تستحقّ أن تُعاش، وتحمل المعنى الحقيقي للحياة. وطالما أنّك لا تملك هذا البيت وهذا الجو فأنت مظلوم وعيشتك ضنكى، الدّاخل إليها مفقود والخارج منها مولود.

فجأة، يقتحم رجال مقنّعون البيت، يقتلون الزّوجة أو الزّوج والأولاد أو يختطفونهم، وخلال ذلك تشاهد بحسرة بيت الأحلام وهو يُدمّر كلّيا تحت لعلعةِ الرّصاص. يبقى كلّ من البطلة أو البطل وحيداً يقاتل لأجل الانتقام أو لإنقاذ عائلته، التي أخفى عنها أنّه جاسوسٌ أو لصٌّ أو قاتلٌ محترف. حينها، تحمد الله على بيتك الآمن، الذي كيفما كان فهو منزل حقيقي، وأنّك على الرغم من عدم رضاك عن حياتك، فأنت شخصٌ حقيقيٌّ لا يعيش في وهم، وهو أشبه بنبتةٍ مزيّفةٍ في مزهرية ثمينة. أو مثل أفلام الرّعب التي تبدأ برحلة رومانسيّة، أو رحلة ترفيه لعدد من الأصدقاء بعيداً عن هواء المدينة الملوّث. تسلب لُبّك الغابة التي تحتضنهم، والكوخ الدّافئ الذي يقيمون فيه. قبل أن يظهر قاتلٌ له شكلٌ بين الإنسان والوحش، ليقتل الجميع واحداً واحداً شرّ قتلة. حينها، تحمد الله على أريكتك الآمنة، وتنهض لتُعدّ كوباً من الشاي، وتقلب الشاشة بحثاً عن فيلم حقيقي. مستعيداً الحكمة القائلة ألّا شيء كما يبدو عليه، وأنّ خلف الجمال قبحٌ كثيف. قد لا يكون ذلك صحيحاً دائماً، لكنّك لا تعرف الصّحيح من المزيّف، لذا تشكّ في الجميع، تحسّباً.

هذا كلّه يحدث معك وأنت تشاهد الفيلم الإيطالي "غرباء تماما" (perfect strangers)، الذي استُنسخ أكثر من مرّة، جديدها عربيّا مع فيلم "أصحاب .. ولا أعزّ"، الذي أثار ضجّة لم يسبقه إليها فيلم عربي، وهي مزيجٌ من النّقدين، الفني والاجتماعي، شارك فيها كثيرون، لأنّها في ظنّهم تتعلق بقِيم مجتمعاتهم التي يهددها هذا الفيلم. مع أن الواقع أسوأ من أيّ وجهٍ قد تُريه لنا السينما، التي قدّمت في هذا الفيلم في نظر منتقديه، نوعاً من السّلوك المُخالف لواجهة المجتمع، مع العلم أن ما خفي كان أكثر مخالفة من ذلك. ولكن هذه ليست قضية الفيلم، والعرب ركّزوا عليها لأنّها تضمّ عناصر غريبة عن المجتمع في رأيهم. بينما قضية الفيلم تتناول ما سبق، أي البداية السّاحرة والحياة الممتعة لأصدقاء مدهشين في تنوّعهم ووفائهم وفي لقاءاتهم.

ثم فجأة، يظهر الوحش الذي سيدمّر هذا الجمال الظاهري، غير أنّه الوحش الذي يكمن في كلّ إنسان، لا الوحوش الآتية من الخارج. وإذا كان العامل الذي يخرج الوحش من "الإنسان الذّئب" (وولف مان)، اكتمال القمر، مثلما هو الدم عند مصّاصي الدّماء .. فإنّ العامل المُحرّك هنا هي الحقيقة التي تكشف الوحش داخل الأصدقاء السّبعة، فيلتهمون بعضهم بعضا حتى آخر لحظة ودّ وإنسانية بينهم. والمُحرّض على الحقيقة، لعبة بسيطة تتضمّن كشف الأسرار، القنابل النّائمة في صدر جلّ الناس. حيث يضع الجميع هواتفهم على الطاولة، وكل من وردت مكالمة أو رسالة لهاتفه عليه أن يشاركها مع البقية. ليروا من الذي يُخفي خلاف ما يُظهر. ومع مرور الوقت، تتساقط الأقنعة. ويكتشف الجميع نذالتهم، حيث يخرجون في النّسخة الأولى من النهاية، وهم غرباء كليّا، لأنّهم يكتشفون أنهم ليسوا الأشخاص الذين كان كل منهم يظنّ أنهم عليه. فينتهي بك الأمر، وأنت تردّد المثل المغربي "إذا خيابت دابا تزيان" (إذا ساءت سرعان ما ستتحسّن)، والعكس هنا، إذا كانت الأمور جيّدة فسرعان ما ستسوء.

596D72F8-6B45-4709-8735-7AC0F35F2CE1
عائشة بلحاج