هاملت أو هامنِت؟

06 يناير 2026
+ الخط -

مع اقتراب عرض الفيلم المُقتبَس من رواية "هامنِت" للأيرلندية ماغي أوفاريل، يعود العمل إلى الواجهة بوصفه نصّاً أدبياً حظي، لدى صدوره عام 2020، باهتمام نقدي واسع (نُقلت الرواية إلى العربية بعنوان "هامنت"، دار أثر، الدمام، 2022). تدور أحداث الرواية في إنكلترا أواخر القرن السادس عشر، وتتمحور حول عائلة كاتبٍ مسرحيّ شاب يعيش بين الريف ولندن، وابنه هامنِت، الذي يُصاب بالمرض ويموت في سن الحادية عشرة، في زمن كان الطاعون فيه يحصد الأرواح بلا تمييز.
الكاتب المسرحي الشاب هو وليام شكسبير، إلّا أن البطولة هذه المرّة ليست له. فهو ما يزال في تلك الآونة مؤلّفاً مسرحياً مغموراً، وحضوره في الرواية حضور زوجٍ وربّ عائلة سيفقد ولده في ظروف مأساوية. هذا ما حصل بالفعل لشكسبير. ما عدا ذلك، بُنيت الأحداث من خيال الكاتبة التي تتابع في الرواية مسار العدوى منذ لحظة دخولها غير المرئية إلى البيت، وانتقالها بين الأجساد، وصولاً إلى موت الطفل هامنِت، بهدف رصد ما يحدث من ثم داخل العائلة، لا من زاوية الحدث نفسه، بل من زاوية أثره الممتد.
فتحتل الأمّ أغنيس مركز السرد، لأنها الشخصية الأكثر التصاقاً بالغياب، بينما يبقى الأب، الكاتب، في الخلفية، حاضراً من خلال غيابه الطويل وعجزه عن مشاركة الخسارة في لحظة وقوعها. ولا تبني الرواية حبكتها على تصاعد درامي تقليدي، وإنما على التمهّل والإقامة داخل الزمن الذي يلي الموت، فلا حسم ولا شفاء. وهكذا ترسّخ الرواية فكرتها الأساسية: رفضُ منح الفقد أيَّ معنى تعويضي، لكي لا تصبح وفاة الطفل لحظة تأسيس، أو شرارة إبداع، أو ضرورة سردية لما سيأتي. الفقدُ يحدث، ثم يقيم؛ وهو ما يمنح العمل توتّره الأخلاقي بتصديره موقفاً مضادّاً لتقاليد اعتادت أن تربط الألم بالمعنى، والخسارة بالحكمة.
والحال أنّ إقصاء شكسبير عن مركز الرواية يشكّل تفصيلاً مهمّاً من هذا المنطلق، لأنّه يشير إلى ضرورة إلغاء فكرة كتابة مسرحية "هاملت" بوصفها نتيجةً نفسيةً مباشرة لموت الصبي هامنِت. فالتقارب الصوتي بين الاسمين يُستخدم هنا أثراً لغوياً، ندبةً، مع رفض تحويل الموت إلى أداة تفسيرية مريحة. وتأتي شخصية الأمّ أغنيس لتجسّد هذا الرفض بصورة صارخة؛ إذ لا يتحول الفقد عندها إلى حكمة أو قوة داخلية أو سردية شفاء. الحياة تستمرّ. أجل، لكنّها تبقى معطوبة، غير قابلة لأنْ تُصلَح، لأنّ الفقد الحقيقي لا يتطوّر، بل يبقى ثابتاً، حاضراً، مقيماً، وإنْ تبدّلت صوره.
وكذلك وباء الطاعون، الذي يُقدَّم بدوره قوةً عشوائية تقتل طفلاً من دون مبرّر أو تفسير، أي بلا رمزية أو عِبَر. وهذا كلّه يختبر بالطبع مقدرة القارئ على تقبّل فكرة مضنية: أن بعض الموت عبثي بلا معنى، وأن الإصرار على البحث عن مغزى له إنما هو شكل من أشكال إنكاره، كما تخدم اللغة البطيئة، الحسّية، المعتمدة على وصف دقيق لتفاصيل الجسد والطبيعة، الفكرةَ نفسها؛ إذ يتمهّل السرد ويبطئ لأنه لا يريد التخفيف من محنة الفقد أو تجاوز الصدمة، فيبقى معلّقاً في الزمن الذي يلي الخسارة: زمن آسن وثقيل، لا شيء فيه سوى تمارين التعايش مع الغياب.
في المحصلة، "هامنت" رواية لا تستثمر في الفجيعة أو المأساة، ولا تسعى إلى تحويل الفقد تجربةً قابلةً للهضم، أو ذات معنى مريح. وما يمنحها ثقلها الحقيقي هو هذا الإصرار على فكرة واحدة: الفقد لا يُثمر بالضرورة حالةً تُبعدنا عنه، والاعتراف بهذه الحقيقة المرّة أكثر صدقاً من تأليف نصٍّ في العزاء الأدبي.

نجوى بركات
نجوى بركات
كاتبة وروائية لبنانية ومؤسسة محترف "كيف تكتب رواية"