هامش بمناسبة قمة العُلا

14 يناير 2021
الصورة

رؤساء وفود دول الخليج وأمين عام مجلس التعاون في قمة العلا في السعودية (5/1/2021/الأناضول)

+ الخط -

بدايةً لا بد من الترحيب بالقمة الخليجية التي انتظمت الأسبوع الماضي في العلا في السعودية، وما أنجزته على غير صعيد، فهو فاتحة خير إذا ما أخذ طريقه نحو التطبيق العملي، سوف يكون علاً حقيقياً تتطلع نحوه الشعوب العربية كافة، وتغادر دول الخليج غيمة السواد التي أتت من الحصار الذي فرض على دولة قطر، وانعكس سلباً على كل العرب، بما لدول الخليج العربي مجتمعة من دور بارز في محيطها العربي، في وقت يعيش فيه العرب ضعفا وتردّيا وصل إلى مداه في العام 2020. فما حصل لجهة التطبيع مع إسرائيل مع كل ما قامت وتقوم به من تجاوز على الحقوق الفلسطينية، بدعم من إدارة الرئيس الأميركي، ترامب، يتجرأ على كل الأعراف الدبلوماسية والقوانين الدولية، إذ سعى إلى تصفية القضية الفلسطينية تحت ما سميت "صفقة القرن"، ترافق مع أوضاع مأساوية تعيشها كل من سورية والعراق وليبيا ولبنان واليمن، وبتدخل إقليمي ودولي، يزيد في تعميق المآسي ولا يحله.. وتكلل ذلك كله بحملة التطبيع الجماعي الذي أتى بحسب نتنياهو نفسه "تطبيع القوة".. يقابل ذلك طبعاً ضعف العرب وتردّي حالهم.

يكون الاستقواء بالأجنبي تسعيراً لحمَّى الصراع فيما بين "الإخوة الأعداء"، فيصل الحال إلى حدَّ الاقتتال، وسيلان الدم

لا أحد يعتقد أن زمناً مرَّ على البلاد العربية في عصرها الحديث، أي بعد نيلها استقلالها دونما خلافات حادّة، لا تقوم على أسباب جوهرية تخصُّ الوطن أو الأمة، وخصوصاً حين تراها تعقد الأحلاف توسيعاً لرقعة الصراع الذي يسخَّر له كل ما يملكه أقطابه من مال وجيوش وخبرات بشر. والغاية دائماً نفعية، تلبي رغبة هذا الحاكم أو ذاك، تمكيناً له فحسب. إذ لا يكون لذلك الفعل أية علاقة باستراتيجية وطنية أو قومية، اللهم إلا إذا عددنا الدولة بما ومن فيها ملكاً للحاكم ومن يلوذ به من أعوان يمكِّنون له، ويحصَّنون نظامه بأساليب القمع كلها، وبغضّ النظر عن شكل الحكم وبنيته، فهو بحسب ما يناسب الحال، إذ يمكن أن يكون باسم الأسرة أو القبيلة أو الطائفة أو الانقلاب الذي قام به الضابط الفلاني وسماه ثورة سجّلها باسمه أو باسم الحزب الذي يملكه. ودائماً بقوة الجيش، وما يتفرّع عنه من أجهزة أمنية تأخذ نصف ميزانية الدولة أو أكثر، ولا يجرّون على شعوبهم سوى الهزائم والخيبات. وإذ تقتضي الضرورة، أحياناً، يكون الاستقواء بالأجنبي تسعيراً لحمَّى الصراع فيما بين "الإخوة الأعداء"، فيصل الحال إلى حدَّ الاقتتال، وسيلان الدم، وخراب البناء متعدّد الوظائف، وتهجير السكان بغية القضاء على الخصم المفتعل، أو المتوهم وسحقه كلياً .. ودائماً يجد من يمتلك عناصر القوة نفسه الأجدى في السيادة والقيادة، وما على الآخر إلا أن يكون تابعاً. يحدث ذلك في بلادنا منذ قرن تقريباً، أي منذ أن وعدنا الساسة العرب، ومفكرو الأمة الاستراتيجيون بالحرية، والوحدة العربية، أو ما يدور في فضائهما، ما يوحد القوى، ويتطلع إلى الدولة القومية الواحدة. وعلى ذلك الأساس، أعطى الشريف حسين، رحمه الله، تحالفه مع الإنكليز في الحرب العالمية الأولى اسم "الثورة العربية الكبرى"، لكن العرب لم يروا منها غير دخول الإنكليز والفرنسيين إلى بلادهم تحت بند الانتداب، ثم تأكيد تمزيق تلك البلاد. ولم يغيِّر من الأمر شيئاً أن كل دولة من تلك الدول التي طاولها التقسيم نالت استقلالها الذي جاء نتيجة نضال شعوبها وتغيُّر موازين القوى الدولية بعد الحرب العالمية الثانية، وحيازة كبار المنتصرين مناطق نفوذ جديدة أخذتها من القوى التقليدية النافذة، وظلت الدول قائمة، بحسب ما فصلتها إنكلترا وفرنسا..

لا جامع بين دول الاتحاد الأوروبي غير الجغرافيا الطبيعية والاقتصاد المتحكم به جماعياً

وأكثر ما ينطبق هذا الأمر على بلاد المشرق العربي، أو ما يعرف تاريخياً ببلاد الشام أو سورية الكبرى، ولا يختلف حال بلدان المغرب العربي عن مشرقها.. والغريب أنْ طغى على بلاد العرب، في ذلك الوقت، صخب الشعارات الوحدوية، وشكلت عدة هيئاتٍ في هذا الاتجاه، في مقدمتها جامعة الدول العربية في 22 مارس/ آذار 1945 وعلق العرب عليها آمالاً واسعة! وكان العرب قد استعانوا بالإنكليز لمساعدتهم على الوحدة، ففي 24 فبراير/ شباط 1943 صرّح وزير خارجية بريطانيا، أنتوني إيدن، في مجلس العموم البريطاني، بأن الحكومة البريطانية تنظر بعين "العطف" إلى كل حركة بين العرب "ترمي إلى تحقيق وحدتهم الاقتصادية والثقافية والسياسية". ("عين العطف" هذه حضرت هنا، كما في وعد بلفور) لكن جامعة الدول العربية لم تستطع فعل شيء ذي بال، وظل تأثيرها في كل معارك العرب محدوداً، يلامس قشور الأحداث لا جوهرها، بدءاً من حرب 1948 وانتهاء بما يجري اليوم لدول عربية عديدة من تدمير وتفتيت.
وجواباً عن سؤال ماذا لو اتحد العرب، ودونما دخول في الأحلام البعيدة، يمكن القول ماذا لو بنت هذه الدول، شرقها وغربها، علاقات قوية فيما بينها، والتزمت بها جدّياً، وليبق الملك ملكاً والأمير أميراً والرئيس رئيساً، كما الحال في الاتحاد الأوروبي مثلاً، إذ لا جامع بين دوله غير أمرين، الجغرافيا الطبيعية والاقتصاد المتحكم به جماعياً. ولا أظننا في حاجة لتكرار تعداد الروابط الكثيرة التي تجمع بين البلاد العربية، فقد ابتذلت لكثرة ما تردّدت فغدت مجال تندر وسخرية.. وهذا ما شجع إسرائيل على أن تتجاوز على الشعب الفلسطيني، كما أشير، ثم نجاحها نسبياً بالتطبيع الذي أتى من الجانب العربي بالحقيقة غير المعلنة، التماساً للقوة لدى إسرائيل في مواجهة إيران التي تطاولت في عداوتها أيضاً، وربما أخذت تهدّد المملكة السعودية ذاتها.. ذلك كله واضح، ولكن هل يكون الرد بالتمكين لإسرائيل أكثر فأكثر، وتقوية الصراعات العربية بالبحث عن مصادر القوة خارج النطاق العربي. بل ممن انتهكوا حياض العرب ومقدساتهم. وهل تكمن حقيقة ضعف العرب وتطاول الآخر عليهم، كائناً من كان، في غير هذه الفرقة وتبديد الثروات والقدرات البشرية الهائلة ونمط التفكير الذي يدور حول الذات الفردية وتقديسها في عصر تجاوز هذه البنى المجتمعية منذ قرون؟ 
وإذا كانت الأقدار قد حرمت العرب من أن يكونوا متقدّمين في هذا المضمار، فهي لم تحرمهم من الفكر ووعي السبل، والأساليب التي تمكّنهم من أخذ مكان لهم في هذا العالم بقليل من أنا الحاكم وفرديته القاتلة. ولعلَّ هبّات الربيع العربي قد أشارت، على نحو أو آخر، إلى هذا الجانب، تحت ضغط قمع الأنظمة، وهزائمها، وتخلّف بلدانها منذ أخذت تستقل سياسياً، ولتستوي دولاً بأشكال متعدّدة ممالك وجمهوريات وإمارات.. ولعلَّ بعضها كان، في تلك المرحلة، أفضل، أعني قبل أن تُصاب بلوثة الانقلابات العسكرية، واستمرار الروح القبلية، ما جعلها تفتقر إلى أن تكون نموذجاً مناسباً يُحتذى.. والنموذج لا يكون في حجم الثروة، ولا في عدد السكان أو في الموقع الجغرافي أو التاريخي، بل هو في نظام يلامس روح العصر ويقوم على أسس من حرية الفرد وديمقراطية الدولة التي تعمل مؤسساتها بتناسق تام يؤدي إلى تنمية مزدهرة على الدوام.