نوستالجيا الديكتاتورية في تونس

نوستالجيا الديكتاتورية في تونس

20 أكتوبر 2021
الصورة

أنصار لقيس سعيد في مظاهرة تسانده في العاصمة تونس (31/1/2021/الأناضول)

+ الخط -

الحنين إلى الديكتاتورية حالة شعورية، وظاهرة سلوكية غير سويّة، تنتشر في المجتمعات التي لم يترسّخ فيها الوعي بقيمة الديمقراطية وأهمّيتها في إدارة دواليب الدولة، وتأمين الحرّيات العامّة والخاصّة، والتعدّدية، والتداول السلمي على السلطة. وتعاني الجموع الميّالة إلى الحكم الأحادي في الدول النامية غالبا من نقصٍ حادّ في الثقافة السياسية، والتنمية الشاملة، ومن خوفٍ من المستقبل. ويدفعها الشعور بالعجز والإحباط أحيانا إلى درجة التفريط في حقوقها المدنية، والتعلّق بشخص القائد/ الديكتاتور ووعوده الوهمية بحثا عن رخاءٍ قد لا يُدرك، وعن رفاهٍ قد لا يتحقق، وعن طمأنينةٍ قد لا تُبلغ في ظلّ حكم استبدادي، مغلق. والديكتاتورية نظام حكم يستمدّ شرعيته الواقعية من معاناة المحكومين، ومن أزمات الدولة السياسية والاجتماعية والاقتصادية. ويمسك الفرد وحاشيته في النظام الديكتاتوري بزمام السلطة عن طريق سطوة العصبية أو القوّات المسلّحة، وعبر تقويض الديمقراطية من الداخل، وتهميش الدستور، والهيئات الحقوقية والنقابية والمدنية، وتجميع المستبدّ كلّ السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية بيده على نحوٍ يجعله يحكم البلد بلا حسيب ولا رقيب.

وراكم المواطنون في تونس على مدى عشر سنوات من الثورة (2011)على الدولة القامعة المنجزات الديمقراطية، فمارسوا حقّ الانتخاب وثقافة الاختلاف، وتداولوا على السلطة، ووضعوا دستورا تقدّميا، ضمن الحرّيات، وقطع مع الحكم الفردي/ الشمولي، وجعل العلاقة بين السلطات الثلاث تنبني على أساسَي الاستقلالية والتعاون في آن. وتمّ إرساء هياكل رقابية مؤقتة وأخرى مستدامة لمراقبة دستورية القوانين، وتقويم أداء المؤسسات السيادية في الدولة، وتنظيم العلاقة بين الحاكم والمحكوم. وعلى الرغم من أهمية اللبنات المُنجزة على درب التأسيس لدولة مدنيةٍ، تعدّديةٍ، تقدّمية، ظلّت الديمقراطية التونسية هشّة، تتهدّدها موجات التشويه، وحملات الحنين إلى الديكتاتورية. ولذلك في السياق التونسي تجلّياتٌ عدّة وأسبابٌ شتّى.

"الشعب معاك يا عبير"، وهو شعارٌ يمارس الوصاية على الشعب، وينطق بدلا عنه

ظلّت نوستالجيا الديكتاتورية شعورا يُخالج طيْفا معتبرا من التونسيين منذ السنوات الأولى التي تلت الثورة (2011)، فقد رأى كثيرون من أتباع النظام القديم في الديمقراطية خطرا يتهدّد مصالحهم، وخشوا من أن تكون مرحلة الانتقال الديمقراطي مرحلة محاسبةٍ شاملة، جادّة وفترة كشف شفّاف لانتهاكات الدولة القامعة. لذلك عمدوا إلى تنظيم أنفسهم في نقابات، وأحزاب، وجمعيات مدنية شكّلت قوّة ضغط على المنظومة الحاكمة التي أنتجتها الانتخابات الرئاسية والتشريعية والبلدية بعد الثورة. واستغلّ أشياع العودة إلى الحقبة الديكتاتورية الحالة الديمقراطية وما رافقها من حرّيات، ليؤسّسوا منابر إعلامية وأفضية تعبيرية عديدة، أدمنت تبخيس الثورة، والتهوين من قيمة الانتقال الديمقراطي. واحترفت تلك المنابر التشكيك في كلّ شيء، على نحوٍ زعزع الثقة بين الحاكم والمحكوم. وروّجت خطاب الكراهية، وتشويه الشهداء، والمناضلين، والسياسيين، والحقوقيين، وسجناء الرأي الذين كافحوا طويلا من أجل فكّ أسار الدولة الكليانية وبناء الجمهورية الثانية. وكان القصد من تلك الحملات الدعائية المحمومة تزييف الوعي الجمعي، وتيئيس الناس من الاستحقاق الديمقراطي ومنجزاته الحقوقية المكتسبة، وتعميم الإحساس بالحنين إلى صنم الرئيس/ المقدّس، وزمن الرأي الواحد والحكم السلطوي/ المطلق.

ظلّت نوستالجيا الديكتاتورية شعوراً يُخالج طيْفاً معتبراً من التونسيين منذ السنوات الأولى التي تلت الثورة

وتجلّى النزوع نحو الزمن الشمولي مع صعود الحزب الدستوري الحرّ، سليل الحزب الأحادي/ الحاكم قبل الثورة (التجمّع الدستوري الديمقراطي) إلى البرلمان (2019)، فقد مثّل وصول ذلك الحزب من جديد إلى المجلس التشريعي دليلا على أنّ شقّا من التونسيين ما انفكّوا أسْرى لدولة الرجل الواحد. وحوّلت رئيسة الحزب، عبير موسي، مجلس نوّاب الشعب إلى حلبة للصراع اليومي العنيف والمتشنّج مع رئاسة المجلس والنوّاب المخالفين لها، وعطّلت العمل البرلماني مرارا، بغاية النكاية بخصومها، وفرض وجهة نظرها. وظلّت طوال فترة عملها النيابي تروّج خطابا دوغمائيا، إقصائيا، بتوعّد الغير، ويدّعي امتلاك الحقيقة المطلقة. وساهم ذلك في ترذيل المشهد السياسي عموما والبرلماني خصوصا، غير أنّ ذلك النهج التعبوي/ التضليلي، المدجّج بالمال، وبقوّة وسائل الإعلام، والإغراء بالتغيير الشامل، جمّع من حولها طيْفا من الشعبويين وأنصار الثورة المضادّة الذين هتفوا خلال ملتقياتها "الشعب معاك يا عبير"، وهو شعارٌ يمارس الوصاية على الشعب، وينطق بدلا عنه، وذلك على سبيل التضليل والتعتيم على ميول الناس السياسية المختلفة التي لا تُعْرف يقينا إلاّ بمراجعة صناديق الاقتراع. وتنادوا "بالروح، بالدم نفديك يا عبير"، إمعانا في تقديس الشخص، وتعبيرا عن ذوبان الجموع في الذات القائدة/ المتنفّذة، وتصايحوا "عبير رئيسة .. عبير أو لا أحد"، تعبيرا عن الارتهان لسطوة الفكر الأحادي/ الرجعي، واستعادة لفانتازيا الرئيس المتعالي، الواحد/ الأحد. ومعلوم أنّ ذلك السلوك الشعبوي، المترع بالمديح، والمؤثّث بالتهليل والتصفيق، يعبّر عن حنين معلن للدكتاتورية، ويستحضر ممارساتٍ دعائيةً مقيتةً سئمها التونسيون زمن الحبيب بورقيبة وخلفه زين العابدين بن علي.

وشهدت سنة 2019 أيضا صعود ما يُعرف بتيّار قيس سعيّد، وهو تيّار غير متجانس من حيث تركيبته الفئوية، ويبدو في الظاهر تلقائيا، وغير مهيْكل. لكن تُديره في الواقع تنسيقيات (لجان شعبية) منظّمة وغير معلنة غالبا. ويروّج "القيسيون" فكرة افتكاك الدولة من الإسلام السياسي خصوصا، ومن الأحزاب عموما، واستئناف ثورة 17 ديسمبر2010. وانخرط في هذا التيّار غاضبون من الأداء الاقتصادي والتنموي المتعثّر خلال العشرية الديمقراطية المنقضية، وقوميون مهووسون بعداء الإسلاميين، وأحزاب يسارية ذريرية (صغيرة) خسرت الاستحقاقات الانتخابية بعد الثورة، وطيفٌ من أتباع النظام القديم الذين تربّوا على التصفيق للاستبداد، وفقدوا كثيرا من سطوتهم وامتيازاتهم في الزمن الديمقراطي. يضاف إلى هؤلاء فئة من الشباب الذين ظلّوا على هامش القرار بعد الثورة، ويعلّقون آمالا عريضةً على الرئيس قيس سعيّد، فهم يريدون أن يمكّنهم في مفاصل الدولة، وأن يشغّلهم فورا، وأن يضمن لهم هجرةً نظاميةً سهلة إلى الخارج. ويلتقي هؤلاء، على اختلافهم، عند تمجيد الرئيس، واعتباره الصواب المطلق، ومطالبته بحلّ كلّ كبيرة وصغيرة من مشكلات تونس العديدة. وعلى الرغم مما تضمّنته التدابير الاستثنائية والأمر الرئاسي عدد 117 من انزياح عن الدستور، ومركزة للسلطة بيد الحاكم الفرد، من دون رقيب ولا حسيب، ومن دون تسقيف زمني، فإنّ المحسوبين على الرئيس لا يرون حرجا في تخوين معارضيه، وترديد شعاراتٍ من قبيل "التدابير الاستثنائية تمثّلني"، "الله أحد، الله أحد، قيس سعيّد ما كيفو (ليس مثله) أحد"، وذلك إمعانا في الحنين إلى الحكم السلطوي/ الفردي، وبغاية إغراء للرئيس وتحفيزه لأن يلبس جبّة الديكتاتور المطلق/ الحاكم بأمره في كلّ شيء، وتحميله تاليا عواقب الفشل أو النجاح لا محالة.

تيّار قيس سعيّد غير متجانس من حيث تركيبته الفئوية، ويبدو في الظاهر تلقائياً، وغير مهيْكل

ويمكن من منظور أنتروبولوجي، تحليلي، تفسير القابلية للاستبداد لدى فئةٍ من التونسيين بعدّة معطيات، لعلّ أهمّها أنّ الناس تعوّدوا على امتداد عقود بعد الاستقلال على حكم الرئيس الواحد، الأب/ الراعي، المهيمن على كلّ الصلاحيات والسلطات، ومنحوه في ثقافتهم المتكلسة، الدوغمائية، وسلوكهم الانطباعي/ الانفعالي مكانة عليّة، وقوّة خارقة، وظنّوا أنّه كائن متعال، مؤبّد، بيده الحلّ والعقد، وعليه المعوّل في استمرار الدولة ووحدتها، وظنّوا البلد مزرعةً للرئيس وعائلته، وبطانته فصفّقوا لهم طويلا ودانوا لهم بالولاء، من دون أن يغنموا من ذلك تنميةً شاملة، ولا توزيعا عادلا للثروة، ولا رفاها عامّا ولا حرّية مستدامة. وبسقوط الرئيس، شعرت تلك الجموع بالعطالة واليأس، والنقص، والفراغ، فسعت إلى إحياء صورة الرئيس/ الزعيم على كيْفٍ ما، تحقيقا لوجودها المعطوب ولمصالحها الفئوية الضيّقة. يضاف إلى ذلك صعوبة ردّ النّاس عمّا ألفوا، وحداثة التجربة الديمقراطية في البلاد، التي لم تعمّر بعدُ طويلا، ولم ترسّخ جذورها في الاجتماع التونسي لقصر المدّة من ناحية، ولتقصير مكوّنات المجتمع المدني (جمعيات، أحزاب، نقابات) في نشر الثقافة الديمقراطية، وإقناع العوامّ والشباب الصاعد بقيمتها التحريرية والوجودية العالية من ناحية أخرى. هذا إلى جانب انخراط الفرقاء السياسيين، حاكمين ومعارضين، بعد الثورة في معارك أيديولوجية طاحنة، وصراعٍ محتدمٍ على مراكز الحكم، وهو ما استهلك كثيرا من الوقت، والمال، والجهد، وعدم التفاتهم، بدل ذلك، إلى ضرورة تحصين الديمقراطية بإرساء محكمة دستورية، وتجريم تبييض الديكتاتورية، ووضع حدّ للفساد والإفلات من العقاب، وهو ما فتح المجال لصعود أنصار الثورة المضادّة وقوى الشدّ إلى الخلْف. كما أنّ فشل النخب الحاكمة في رفد المنجز الحقوقي/ الديمقراطي بنقلةٍ اقتصاديةٍ نوعية، تضمن للناس درجةً معتبرةً من الرفاه، ساهم في جعل الديمقراطية التونسية فقيرة، هشّة وبلا عائد تنموي، وعزّز ذلك عمليّا من احتمالات صعود الشعبوية، وانتشار نوستالجيا الديكتاتورية.

ختاما، لم تكن الديمقراطية في تونس حالةً معْطاة. بل كانت ثمرة كفاح أجيالٍ من الحقوقيين، والسياسيين، والنقابيين، والشهداء، وسجناء الرأي، وجُلّ المواطنين. وأحرى بالتونسيين بذل الجهد للمحافظة على هذا المكسب تكريسا لمشروع دولة المواطنين. أمّا الديكتاتورية فلا يمكن أن تكون حميدة، ولا عادلة، ولا تقدّمية. بل هي مفسدة عامّة، وشرّ محض، يؤدّي إلى هدْر الطاقة، وقمْع المختلف، وتحنيط الفكر، ومصادرة الحرّية، وخراب العمران لا محالة.