نور شهيدة الأنوثة

03 اغسطس 2026

(عمران يونس)

لا ينبغي لكاتب المقالة اليومية أو الأسبوعية تكرار مواضيعه، لأنّ هذا يضعه في دائرة الرتابة والملل والتوقّع، بل عليه، من باب المسؤولية المهنية، أن يسعى دائماً إلى توسيع معارفه، وإلى التجديد والتنويع فيما يتناوله من قضايا.
وما عليه، والحالة هذه، إلا الاشتباك اليومي مع الحياة العامّة، وعدم التوقّف عن قراءة أحدث الكتب، ومشاهدة آخر الأفلام، وحضور العروض المسرحية والندوات الثقافية، والاحتكاك بنماذج مختلفة في الشارع، حفاظاً على اتّقاد ذهنه وحيوية أفكاره. غير أنّ ذلك لا يتأتّى بسهولة في بعض الأحيان، إذ يجد الكاتب نفسه مرغماً، من منطلق المسؤولية الأخلاقية، على تكرار المواضيع الحزينة ذاتها مرّة بعد مرّة، ولا سيّما إذا كانت بعض الظواهر المخزية مثل قتل النساء ما تزال تتكرّر، وتقريباً بالوتيرة نفسها، ما يبعث على الإحباط والغضب، وينمّي الإحساس بالعجز واليأس من إمكان إحداث تغيير حقيقي في العقلية الجمعية لمجتمعات ذكورية متخلّفة، تحكمها قيم ومفاهيم رثّة، تجعل من التصدّي لها، ولو بكلمة، واجباً إنسانياً قبل كل شيء.
نعم، ما زلنا نتحدّث، وللمرّة المليون، عن ظاهرة قتل النساء التي تحدث في بلادنا لأسباب عديدة. وفي العادة، يغوص المجموع البائس في البحث فيها بغية الوقوف على المبرّرات التي يتبنّاها كثيرون، فيما جسد الضحية المغدورة ما يزال دافئاً، والجهات الأمنية لم تباشر بعد إجراءاتها. يفعلون ذلك من دون التفكير، ولو للحظة، في مدى الألم الذي تعرّضت له الضحية لحظة اغتيالها وإزهاق روحها غيلةً وظلماً وغدراً. وسرعان ما يقفزون إلى النتائج التقليدية ذاتها، فيردّدون، بغباء مطلق، المقولة المشينة نفسها: "أبصر شو عاملة".
تُقتل النساء بداعي الشرف غير الرفيع، وفي سياق تأديبهن. وأحياناً، لأنهنّ رفضن التجاوب مع اقتراحات الحبّ وعروض الزواج. ويبقى الأمر، في العقلية الذكورية، طبيعياً لا يستحقّ إثارة كثير من الجلبة، بل يتواطأ المجموع ضدّ الضحايا، ويسارع إلى إلقاء التهم جزافاً، في محاولة لتبرير فعل القتل في حقّ نساء بريئات لم يقترفن سوى ذنب الأنوثة الذي لا يُغتفر في بيئة معادية، تنظر إلى المرأة باعتبارها كائناً أدنى، وفي كثير من الأحيان عبئاً على العائلة وقنبلة عار موقوتة، ما يقتضي تشديد الحراسة على أنفاسها، لأنّ "همّ البنات للممات"، بحسب العقلية السائدة.
في العاصمة الأردنية، وقبل أيّام، حدثت جريمة مروّعة، إذ أقدم شاب مجرم، منزوع الذمّة والضمير، على قتل الصبية الجميلة نور برغل، الطالبة الجامعية في جامعة العلوم والتكنولوجيا، والممرّضة المتدرّبة في مستشفى الجزيرة، بطعنة سكين في قلبها. وقد ألقت قوات الأمن العام القبض على القاتل. وبحسب مقرّبين، فإنّ ذنب المغدورة أنّها رفضت محاولاته للتقرّب منها.
وسرعان ما انتشرت الشائعات المسيئة التي تروّج روايةً مفادها بأنّ الجريمة اقترفها شقيق الضحية بداعي الشرف، ما اضطر عائلتها المكلومة إلى إصدار بيان يدين، بأشدّ العبارات، "النهج غير المسؤول في تداول الشائعات"، ويحمّل كلّ من ينشر أو يروّج أو يعيد تداول الأخبار الكاذبة المسؤولية الأخلاقية والقانونية.
وأكّدت العشيرة إدانة الجريمة النكراء التي راحت ضحيتها ابنتهم، الطالبة المحبوبة المهذّبة، وأكّد البيان أنّه لا أشقّاء ذكوراً للفتاة، وأصرّ على تمسّك العائلة بحقّها الشرعي والقانوني، وعدم التنازل عن دم ابنتهم، وطالب بإيقاع العقوبة الأشدّ بحقّ المجرم الذي حرق قلب ذويها، وأثار الذعر والغضب والاستهجان في الشارع الأردني.
قالت تربويةٌ أردنيةٌ (ويتّفق معها كثيرون): "أليس معيباً أن يضطر أهل الضحية إلى إصدار بيانات لنفي الشائعات، عوضاً عن متابعة مستجدّات القضية واستقبال المعزِّين؟ وكأنّ الموت وحده لا يكفي، فلا بدّ أنّ نضيف اغتيال السمعة أيضاً. ما يحدث ليس فضولاً بريئاً، بل انحدار أخلاقي خطير، حين يتحوّل خبر مقتل فتاة إلى مادّة للتشريح والتخمين والتشهير".
الرحمة والنور لروحك يا نور، والخزي والعار لقاتلك المجرم الآثم، والعزاء الكبير لعائلتك الجريحة في أكثر من موضع.

AD06A645-8A0A-4B42-9292-5FC44B5D51C6
بسمة النسور

كاتبة أردنية، تحمل الليسانس في الحقوق، صدر لها ست مجموعات قصصية، وكتبت نصين مسرحيين. تكتب في الصحافة العربية منذ 1990، وتشغل موقع رئيسة تحرير مجلة "تايكي" المتخصصة بالإبداع النسوي.