نهرٌ بحجم الإصبع

نهرٌ بحجم الإصبع

30 اغسطس 2021
الصورة

(هيمت علي)

+ الخط -

قرّرت أخيرا منظمة اليونسكو تأسيس أول كرسي لدراسة الأفلاج في العالم، خصّت به جامعة "نزوى" العمانية، وهو كرسي بحثي يختص بدراسات "عالم المياه الأثري"، وتم اختيار الباحث العُماني في الأفلاج، عبد الله الغافري، المحاضر في الجامعة نفسها لترؤس هذا الكرسي وتفعيله والإشراف عليه. وتخصص الأفلاج متعدّد الأجنحة والجداول، أفقيا وعموديا، إذ تدخل فيه وترفده وتسترفد منه مجموعة من العلوم، مثل علوم الأرض وعلوم المياه والعلوم الهندسية والعلوم البيئية، كما تساهم فيه كذلك حتى العلوم الإنسانية، كالتاريخ والاجتماع والأنثربولوجيا واللغة والثقافة. لذلك يتيح الكرسي البحث والتنقيب في مختلف العلوم المرتبطة بالأفلاج. وبذلك تكون جامعة نزوى أول جامعة في العالم يكون فيها كرسي أكاديمي يتبع هذا التخصص، علما أنه توجد في عُمان أربعة كراسي لليونسكو في علوم مختلفة، ثلاثة منها في جامعة السلطان قابوس، وهذا هو الرابع.
يعود اختيار الأرض (والبيئة) العُمانية لتكون المحيط العلمي التفاعلي لهذا الكرسي إلى وفرة الأفلاج في عُمان ووظيفتها الحيوية والثقافية. الأفلاج، لناحية الشكل، أنهار مائية صغيرة (أو نهيرات) تتفاوت في نشاطها المائي وحجمها، فبعضها يصل في صغره إلى حجم الإصبع، وبعضها الآخر معلق في الأعالي، ناهيك عن ذلك الذي يغور صامتا في المتاهات السفلية للأرض. لذلك نظرا إلى غرائبية هذه الأفلاج وصعوبة بنائها، اختارت اليونسكو من قبل، خمسة أفلاج عُمانية لتكون ضمن التراث العالمي: دارس في ولاية نزوى، والخطمين في نيابة بركة الموز، واللمكي في ولاية إزكي، وثلاثتها في الداخلية. ثم فلج الميسر في ولاية الرستاق، جنوب الباطنة، والجيلة في ولاية صور (جنوب الشرقية).
لكثرة هذه الأفلاج ولتعقيدات بنائها، نُسبت إلى جنّ النبي سليمان، الذي كان، ذات يوم، في طريقه إلى اليمن، وربما للقاء بلقيس، حين توقف لحظة في عُمان، وأمر جنوده بأن يبنوا مئات من هذه الأفلاج، قبل أن يُكمل طريقه. هكذا تحكي الأسطورة أو الملحمة الشّعبية في تفسير خرافيّ (سهل) لهذه المنشآت المعقّدة وكثيرة العدد.
أتذكر أني تعشّيت مرة في مطعم في مسقط (قرب مبنى المطار القديم). كان جديدا، لكنه بُني على هيئة قلعة. وحتى من الداخل كأنّك في قلعة عمانية تاريخية، فعُمان تعرف كذلك بالقلاع، وقد بُني معظمها خلال حكم دولة اليعاربة التي بُنيت في عهدها أيضا أغلبُ الأفلاج، وفلج الخطمي أحدها، وربما أحدثها.
بعد العشاء وخلال مغادرتنا، لمحت عن يساري مجسّما لفلج فاقتربت منه، فإذا هو مجسّم لفلج الخطمين... ولأنّي أعرف قصص هذا الفلج العجيب، فقد بحثت عن وعثاء في الطريق، أو ثلاث قطع خفيفة وقذفت بها في ذلك المجرى الاصطناعي. ولكنّ ما حصل أنها سارت كلها في اتجاه واحد، فهذا الفلج مجرّد مجسّم صوري لفلج الخطمين، ولن يحاكي التصميم المعقد للمنشأة الأصلية، إذ بُني فلج الخطمين (الأصلي) على هيئة مفترَق لثلاثة طرق عند مصبّه، حتى يتوزّع فيه الماء بالتساوي: بين قسم للناس وقسمين لبيت المال الذي تمتلكه الدولة، يعودان إلى الالتقاء في مجرى واحد. وكل قسم من الماء يجب أن يتدفّق بالتساوي، بحيث أنك في هذه الأيام لو وضعت ثلاث كراتٍ لذهبت كلّ منها إلى واحد من تلك الطرق المائية، ولبقيتَ متعجّبا من هذه القدرة الهندسية العجيبة التي كانت تراعي العدالة في التوزيع... وفي الأمر أيضا "رسالة" سياسية؛ رسالة في العدالة، أو خريطة مفروشة على الأرض، تدل الجميع على عدالة توزيع ما وهبنا الله من باطن أرضه، وليس احتكاره في جيوب فئةٍ دون أخرى، تنتفخ إلى درجة الانفجار. وللفلج عبر تاريخه دور تشغيلي، فثمّة أناس يشتغلون في بنائه ثم السهر على توزيعه، لذلك اشتقّت وظيفة "وكيل الفلج" التي تكون عادة متوارثة، وهناك ما توفره عطايا الماء من وظائف زراعية. وله أيضا دور ثقافي، حين نجد مجموعة منها أوقفت، قديما، للمدارس ودور العلم.
اختيار اليونسكو عُمان، وجامعة "نزوى" تحديدا، حاضنة أولى لكرسي الأفلاج، يحتاج من الدولة دعما مباشرا، حتى يُمكن لهذا الكرسي أن يؤدّي أدواره البحثية كما يجب، ويساهم بالتالي في توليد أطروحات ومشاريع في المياه تساهم في تنمية قطاع حيوي غدت الحاجة إليه ملحّة بل ضرورية.

593B5A80-7333-4F6B-AC2C-800C049BDB93
محمود الرحبي