نهب الأراضي الفلاحية للدولة التونسية
عاملات زراعيات تونسيات يطالبن بحقوقهن وبتحسين ظروف العمل في العاصمة (7/5/2025 Getty)
تاريخيا، ووفق ما جاء في كتاب "الاستحواذ العقاري الفلاحي للاستعمار الفرنسي بأرياف القيروان... آليات الاستيلاء وطرق الاسترجاع 1900-1964" (927 صفحة، 2023) للمؤرّخ التونسي التليلي العجيلي، اشترت حكومة دولة الاستقلال الأراضي الفلاحية للمعمّرين الفرنسيين، وهي أراض انتزعت من مالكيها التونسيين (أفراد وقبائل وأراضي أحباس تتبع الجوامع والزوايا والمؤسّسة التعليمية مثل المدرسة الصادقية) بواسطة قروض فرنسية قدّرت آنذاك بملايين الفرنكات، سُدّدتْ لاحقاً من دافعي الضرائب، ولم تُؤمّم، وهو ما يُفنّد الرواية التاريخية البورقيبية (نسبة إلى الحبيب بورقيبة) التي ترسّخت في عقول الأجيال التونسية، بأن الجلاء الزراعي يوم 12 مايو/ أيار 1964، هو يوم استرجاع الأراضي الفلاحية من المعمّرين الفرنسيين بعد تأميمها.
يتحدّث العجيلي في مؤلّفه عن 715 ألف هكتار من الأراضي الفلاحية المملوكة للمعمّرين الفرنسيين، منها ما هو مستغلّ مباشرة منهم (600 ألف هكتار) والبقيّة مسوّغة لفلاحين تونسيين. وإذا أضفنا أراضي الأحباس الكُبرى التي تحوّلت ملكيتها للدولة بعد حلّ جمعية الأوقاف في 1956، التي أسّسها الوزير الأكبر خير الدين التونسي سنة 1875، على غرار أوقاف عزيزة عثمانة بـ65 ألف هكتار وسيدي مهذّب ب 360 ألف هكتار وسيدي عمر بوحجلة بالقيروان بمائة ألف هكتار، حسب المؤرّخ الكراي القسنطيني في أطروحته "الأرياف المحلّية والاستعمار الفرنسي في ظهير صفاقس 1892-1929"، فإن الأراضي الفلاحية التي باتت تتصرّف فيها الدولة التونسية، بعد توقيع اتفاقيات الاستقلال الداخلي في 1955 وبروتوكول الاستقلال سنة 1956، قاربت المليون ونصف المليون هكتار، وضع جُلّها تحت تصرّف ديوان الأراضي الدولية الذي بُعثَ في 1961.
الجلاء الزراعي بين الأسطورة والوثيقة
يقول التليلي العجيلي في كتابه المهم: "الزعيم الحبيب بورقيبة أعلن في خطابه الأسبوعي في النصف الثاني من شهر أكتوبر1956 عن عزمه توزيع دفعة أولى من الأراضي الفلاحية قدرها عشرة آلاف هكتار على أبناء الشعب وفي مقدمتهم المجاهدون المناضلون، إذ تقرّر أن تكون الأولوية للمناضلين الذين لهم خبرة فلاحية على سواهم مع العلم، على حدّ قوله، هي أراض خصبة تقع في مناطق متعددة من الإيالة التونسية كجهات بنزرت والوطن القبلي والهمامة والجريد وغيرها".
والمجاهدون الذين تحدّث عنهم بورقيبة لم يكونوا من أبناء الحزب الدستوري القديم الذي أسّسه عبد العزيز الثعالبي سنة 1920، وقد أمر بورقيبة بحلّه سنة 1963، أو من اليوسفيين الذين قادوا المقاومة المسلّحة ورفضوا تسليم أسلحتهم وما سمّوه آنذاك الاستقلال المنقوص، أو من مناضلي الاتحاد العام التونسي للشغل الذي ارتقى مؤسّسه وأمينه العام فرحات حشّاد شهيداً من أجل تونس، وإنما هم المصطفّين مع بورقيبة وفريق الحزب الحر الدستوري الجديد - الديوان السياسي، ومنهم من كان يشتغل في الأجهزة الأمنية والإدارية للدولة الاستعمارية، وآخرون قبلوا بتسليم الأسلحة وتولّوا خططاً وظيفيةً، وأخرى سياسية، في دولة الاستقلال البورقيبية.
الأراضي التي وزّعها بورقيبة على أنصاره كانت عيّنةً من مئات الآلاف من هكتارات تبخّرت
لم تكن تلك الدفعة من الأراضي الفلاحية الخصبة، التي وزّعها بورقيبة على أنصاره، سوى عيّنة من مئات آلاف من الهكتارات الفلاحية التي تبخّرت وسُلّمت للموالين والأوفياء والمقرّبين من السلطة الحاكمة ومختلف خدّامها، ذلك أن تقرير دائرة (محكمة) المحاسبات السنوي عدد 21 يشير إلى إنه "يتوفّر حالياً (2006) 156 ألف هكتار من الأراضي الدولية الفلاحية موزّعة على مختلف ولايات الجمهورية، مضيفاً: "تجدر الإشارة إلى أن مساحة المركبات الفلاحية التابعة للديوان كانت إلى بداية التسعينيات في حدود 190 ألف هكتار تقريبا.. إلا أنه بتاريخ 28 مارس 2003 انعقد مجلس وزاري تقرّرت خلاله المحافظة على رصيد عقاري يمسح 150 ألف هكتار يوضع تحت تصرّف ديوان الأراضي الدولية". لكن التقرير الصادر عن أهمّ هيئة رقابية مالية للدولة التونسية يسكت عن مصير 40 ألف هكتار من الأراضي المختفية، سُلّمت في شكل هدايا ومزايا ورشىً لأوفياء سلطة الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي وأفراد عائلته وأصهاره ورجال حكمه وشركائهم الاقتصاديين والماليين.
وقد فصّل القول في ذلك الأمر الباحث التونسي توفيق المديني في كتابه "تونس: الدولة الغنائمية في زمن الفساد العولمي" (839 صفحة، 2018)، والتقرير النهائي لهيئة الحقيقة والكرامة (2018) المتعلّق بالفساد المالي والاعتداء على المال العام بالقول: "فشركات الإحياء والتنمية الفلاحية مثلاً المنتشرة على مئات الهكتارات أهديت لهم (عائلتي بن علي وأصهاره الطرابلسية) بكلّ ما فيها من منقولات ومعدات بمجرّد محاضر تحويز. ويرجع الفضل للأمر عدد 1172 المؤرّخ في 18 جوان 1988 والمتعلّق بشروط استغلال أراضي الدولة من طرف شركات الإحياء والتنمية الفلاحية والذي أعطى امتيازات جديدة للمستثمرين وسهل في إجراءات الانتصاب وهو ما استغلّه النظام ليوزّع أراضي الدولة على حاشيته والمقرّبين منه".
ما بعد الاستقلال: اقتصاد الولاء لا التنمية
لم يفتح الرئيس قيس سعيّد، وحكوماته الستّ، وهو الممتطي صهوة حصان مكافحة الفساد وصاحب شعار استرجاع أموال الشعب التونسي المنهوبة، تحقيقاً جدّياً لفهم كيفية تسويغ أو تحوّل مئات الآلاف من الهكتارات الفلاحية المملوكة تاريخياً لفائدة الدولة، في تخوم العاصمة والقيروان وجندوبة وباجة وبنزرت وزغوان وسليانة والوطن القبلي وصفاقس والمهدية والساحل وسيدي بوزيد وقفصة والجنوب إلى ملكية الأفراد والعائلات التقليدية الثرية والأرستقراطيات المقيمة في الحواضر والمدن القديمة وخاصّة العاصمة وضواحيها المترفة، وغيرها من العقارات الكبرى التي كانت ملكيتها ترجع للشركات التعاضدية أثناء فترة التعاضد التي قادها الوزير أحمد بن صالح في ستينيّات القرن الماضي، واستولى عليها متنفّذون بحماية أنظمة الحكم المتعاقبة.
إن عملاً جدّياً يناهض الفساد ويحمي الثروة العقارية والممتلكات العامة يقتضي إجبار أصحاب الملكيات الكبرى (مئات وآلاف الهكتارات) على إثبات تسلسل الملكية بواسطة الحجّة العادلة أو شرائها أو تسويغها عن طريق عقودٍ لا يرتقي إليها الشكّ، واسترجاع ما نُهب منها أو مُنح على خلفية الولاءات والزبونيات السياسية القديمة، بعد جرد دقيق لأملاك أعوان الدولة وصغار قادتها وكبارهم في المؤسّسات التنفيذية والتشريعية والقضائية والأمنية، وكلّ من تحقّقت له منفعة غير مشروعة من عقارات الدولة وأملاكها على مدى عشرات السنين، وما آل منها إلى ورثتهم على غير وجه حقّ، خاصّة أن الإدارة التونسية تحتفظ بأرشيفات السجلات العقارية كافّة، ووضع أصحاب تلك الأملاك أو من ورثهم تحت طائلة القانون عدد 46 لسنة 2018 المتعلّق بالتصريح بالمكاسب والمصالح وبمكافحة الإثراء غير المشروع وتضارب المصالح.
بدلاً من ذلك كلّه، أصدر الرئيس سعيّد المرسوم عدد 3 المؤرّخ في 2 أكتوبر/ تشرين الأول 2025، المتعلّق بتنقيح المرسوم عدد 15 لسنة 2022 المتعلّق بالشركات الأهلية، وهو مرسوم نُشر في الرائد الرسمي (الجريدة الرسمية) من دون عرضه على مجلس نواب الشعب للتصويت عليه، رغم أنه لا يكتسي أيَّ صبغة استعجالية أو أولوية في النظر، سوى أنه من أولويات الرئيس الذي يسعى بالسبل كافّة إلى إنقاذ فكرة الشركات الأهلية التي شهدت فشلاً ذريعاً ووُلدت ميّتة.
لم يحقّق قيس سعيّد جدّياً في مصير مئات آلاف من الهكتارات الفلاحية المملوكة للدولة
ذلك أن هذه الشركات، وقد تجاوز عددها 250 شركة منذ انبعاثها سنة 2022، لم تنتج أيَّ قيمة اقتصادية أو اجتماعية ببعث مشاريع وتحقيق أرباح وموارد وخلق الثروة ومواطن الشغل على الإطلاق، بل كانت عبئاً على موارد الدولة وموازناتها السنوية حين خصّص لها 20 مليون دينار سنوياً منذ السنة المالية 2023، وإحداث خطوط التمويل لصالحها، وقد فُرضت فرضاً على المؤسّسات المالية للدولة التونسية والبنوك الخاصّة والعمومية، ليبلغ حجم تمويل الشركة الواحدة مليون دينار تونسي (330 ألف دولار)، وتخصيص منحة دعم لكلّ شركة أهلية بقيمة تصل إلى 800 دينار تونسي شهرياً مدّة عام، وإفرادها بكتابة دولة وعضو حكومة تتولّى تسييرها، وما يستوجبه من تمويلات إضافية، كان الأولى إنفاقها على مقاومة البطالة والفقر أو على تطوير التربية والتعليم العالي والبحث العلمي أو ضخّها في شرايين منظومة الصحّة العمومية المهترئة.
وعلاوة على ذلك، فقد أعفى الفصل 70 جديد من المرسوم الرئاسي (عدد 3) الشركات الأهلية والمشاركين فيها بصفتهم تلك من الضرائب والمعاليم المستوجبة المنصوص عليها بالتشريع الجبائي الجاري العمل به مدّة عشر سنوات من تاريخ إحداثها. وكان جديراً بالرئيس سعيّد أن يمكّن من هذه الإعفاءات والامتيازات الجبائية المؤسّسات الصغرى والمتوسّطة التي تتهاوى يومياً تحت سياط الحيف الجبائي وصعوبات الاستمرارية والإفلاس، ليبلغ عدد المؤسّسات التي أفلست أو المهددة بالإفلاس 400 ألف مؤسّسة صغرى ومتوسطة من بين 850 ألفا، حسب تصريح رئيس المنظمة التونسية لرواد الأعمال في 22 يوليو/ تموز 2025.
كما منح الفصل 70 خامساً من المرسوم الرئاسي "الأولوية للشركات الأهلية في كراء العقارات الدولية الفلاحية بالمراكنة، وذلك بالنسبة إلى العقارات الموجودة داخل الحدود الترابية للمعتمدية أو الولاية. يمكن أن تكون مدة الكراء 25 سنة قابلة للتمديد إلى أربعين سنة. يتم دفع معلوم الكراء سنوياً من قبل الشركات الأهلية المستغلة لهذه العقارات. تعفى الشركات الأهلية من دفع معلوم الكراء لمدة الخمس سنوات الأولى من تاريخ بداية مدة الكراء". وأضاف الفصل 70 (سادساً وسابعاً): "تنتفع الشركات الأهلية بكراء العقارات التابعة لملك الدولة الخاص غير الفلاحي والملك البلدي الخاص مراكنة وذلك بالنسبة إلى العقارات الموجودة داخل الحدود الترابية للمعتمدية أو الولاية"، و"للشركات الأهلية، بصرف النظر عن أحكام الفصل 18 من مجلة الغابات، استغلال المنتوجات الغابية غير الخشبية مراكنة وفق صيغ تضبط بقرار من الوزير المكلف بالفلاحة".
المساواة والحياد لا يسمحان لرئيس الدولة بخصّ فئة من السكان بامتيازات أراضي الدولة لمجرّد الولاء
وبهذا النصّ القانوني، يكون الرئيس قيس سعيّد قد سار على خطى التجربتين البورقيبية والبنعلية بالتمكين العقاري من أراضي الدولة الفلاحية وغير الفلاحية لتنظيمه القاعدي الاقتصادي المسمّى بـ"الشركات الأهلية"، وهو تنظيم بالإضافة إلى وظيفته الاقتصادية المبشّر بها، يلعب دور الجهاز الأيديولوجي للمنظومة السعيديّة، فجلّ أعضاء الشركات الأهلية ومؤسّسيها، ممّن يُعرفون بأصحاب المشروع وأنصار المسار وتنسيقيات الرئيس وموالاته، قادوا الحملة الرئاسية للاستفتاء على الدستور سنة 2022، وترشّحوا إلى المؤسّسة التشريعية بغرفتيها مجلس نواب الشعب والمجلس الوطني للجهات والأقاليم، وللمجالس المحلية والجهوية، ولعبوا دوراً مركزياً في نصرة سعيّد في الانتخابات الرئاسية سنة 2024، وتبرير الانحرافات كافّة التي صاحبتها.
المساواة الدستورية الغائبة
يكرّس النص المحاباة والتمييز ويضرب مبادئ المساواة بين المواطنين التونسيين والنزاهة والشفافية. لا تجد الهيئات الدستورية على غرار المحكمة الدستورية التي ينتظر التونسيون وفاء سعيّد بوعده في تشكيلها منذ ثلاث سنوات، صعوبة في إسقاطه، لاعتماده المراكنة في تسويغ أراضي الدولة الفلاحية فترة طويلة (من 25 إلى 40 سنة)، من دون طلب عروض، أو أيّ صيغة من صيغ التناظر النزيه والشفّاف. وهو ما يتنافى حتى مع ما جاء في دستور سعيّد لسنة 2022 الذي يقرّ في فصليه، عدد 19: "الإدارة العمومية وسائر مرافق الدولة في خدمة المواطن على أساس الحياد والمساواة وكلّ تمييز بين المواطنين على أساس أي انتماء جريمة يعاقب عليها القانون"، وعدد 23: "المواطنات والمواطنون متساوون في الحقوق والواجبات وهم سواء أمام القانون دون أي تمييز".
المساواة والحياد وعدم التمييز لا يسمح بأيّ حال لرئيس الدولة التونسية خصّ فئة من السكّان بامتيازات استغلال اراضي الدولة الفلاحية وعقاراتها غير الفلاحية، وما توفّره من ثروات وخيرات، لمجرّد الولاء له ولسلطته، والوفاء بوعد انتخابي، والإصرار على إنجاح فكرة أيديولوجية هلامية قديمة تسمّى الشركات الأهلية، يعود ميلادها إلى فترة الاستعمار الفرنسي، لمّا أرادت فرنسا بعث اقتصاد هامشي خاصّ بالأهالي ضمن سياسة التفرقة والتفوّق التي كانت تنتهجها والتمييز بينهم وبين المعمّرين الفرنسيين والأوربيين.