نهايةُ العالم في غزّة

31 ديسمبر 2025
+ الخط -

عندما تسأل نفسك: كيف وصلتَ إلى هنا؟ عليك أن تُدرِك جيّداً أنّ ذلك لم يحدث في غمضةِ عين. فنحن لم نُغمِض أعينَنا ذات ليلةٍ ونستيقظ على مرأى الخيام التي تمتدّ على مرمى البصر في غزّة. فهذا المشهد المأساوي ليس إلا نتيجةَ خطّةٍ بدأت منذ فرض الحصار على غزّة، ولنحو 16 عاماً. وحين كانت مياهُ الأمطار تجري كالسيول فعلاً، بين البيوت الضيقة والمتهالكة، لم يكن هناك حلٌّ لمنعها سوى استخدام طُرُقٍ بدائية، وهي حفرُ بعض الحُفر العميقة المنخفضة عن مستوى تلك البيوت، في مناطق متفرّقة، وتحويلها إلى ما يُعرَف ببرك المياه، التي تصبح تدريجياً مرتعاً للبعوض. لكنّها كانت الطريقة الوحيدة لمنع غرق البيوت بمياه الأمطار، في غياب الوسائل الحديثة لمواجهة تغيّرات الطقس.
وتتكرّر هذه الطريقة في كل موسم، لكن الفارق هنا أنّنا أصبحنا نعتاد، وهو أصعبُ وأقسى ما قد يحدُث للإنسان، فنطلق على مكان هذه الحفرة مسمّى مثل: "شارع البركة"، ويصبح هذا الاسم متداولاً على ألسنة سائقي الأجرة وتلاميذ المدارس، الذين تحذّرهم أمهاتهم من المرور قربها خشية الانزلاق والسقوط فيها.
مع ذلك، لم تتوقّف الإدارات المحلّية عن حفر مثل هذه الحُفر الضخمة، وغالباً ما تُحيطها بسورٍ لحماية الأطفال ومنع وقوع مزيد من الكوارث، لكنّها قطعاً لا تستطيع أن تمنع البعوض الشرس من مهاجمة سكّان البيوت المحيطة.
اليوم، هناك حفرةٌ ضخمة تجمّعت فيها مياهُ الأمطار، لكن لا بيوتَ قائمةً حولها؛ فهناك آلاف الخيام التي نصبتها الحرب. وإن كان علينا أن نشير بإصبع الاتهام، فيجب أن نوجّهه تحديداً نحو الصامتين عن هذا الوضع، وعدم وجود رغبة إنسانية حقيقية لديهم لمنع وقوع مثل هذه الكوارث التي صُدمنا بها، فقد قضى طفلٌ صغير نحبَه حين انزلق في حفرةٍ ضخمة من مياه الأمطار، ولم يجد أفرادُ ما يُعرَف بالدفاع المدني المحلّي سوى أيديهم ومصابيح الإضاءة اليدوية للبحث عنه ومحاولة إنقاذه، التي باءت (قطعاً) بالفشل، إذ عُثر عليه غريقاً بعد ساعاتٍ من أعمال البحث المضنية.
اليوم، يجب أن يعرف العالم كلّه أنّ غزّة تُركت وحيدةً، وأنّ نهاية العالم تُكتَب في غزّة، لا بداية عامٍ جديد في الألفية الثالثة. فغزّة تخرج من مقتلةٍ أسفرت عن مجازر ومذابح، وفقدان صور الإنسانية والحياة الآدمية في مختلف نواحي القطاع. وصمتُ العالم يلفّها، ومحاولات التعتيم المدروسة التي يرسمها الاحتلال، التي تمرّ على مرأى ومسمع من العالم، هي الأكثر طغياناً وسيطرةً على صورة الوضع المتهالك والمُزري هناك.
وحين ينجح التلميع الإعلامي، الذي يظهر كالبرق اللامع في السماء فجأة، في إقصاء النظر عن عمق الحالة الإنسانية الراهنة، فإن الإشارة مثلاً إلى إدخال بضائع تُعدُّ كماليةً أو من عناصر الرفاهية إلى الأسواق التي يرتادها الفقير أسفاً وحزناً، أو الإشارة إلى استئناف التعليم الجامعي الوجاهي في جامعات غزّة، التي هي في الحقيقة ملاجئ للنازحين، ما هي إلا صورة موجزة لحقيقة ما يجري من تعتيمٍ مقصودٍ على واقع القطاع، وهو ما كشفته الأمطار والرياح في الأيام القليلة الماضية.
تصدير مثل هذه المشاهد يُغفل العالم عن الجانب الموجِع من العنف الرمزي الذي يُشبه الموت؛ فأهل غزّة، حين تُنشر صورهم وهم يأكلون في المطاعم التي أُعيد افتتاحها، يقولون للعالم: إننا نأكل اليوم لننتقم لشهورٍ من المجاعة أكلنا فيها روثَ الحيوانات، والرمل، وورق الشجر. وحين نعود إلى الجامعات، فإننا نعود وقد فقدنا مئات الطلبة الذين حلموا بالتخرّج، وعشرات من أساتذة الجامعات الذين قُتلوا عمداً.
استمرار المعاناة ومحاولة تلميعها ليسا إلا خطّة ممنهجة ليصبح لدى الناجين حالةٌ تُعرَف في علم النفس بـ"الجرح المزدوج"؛ أي ألم الحرب وألم التجاهل، ممّا يزيد من إحساس الغزّي بالعزلة، ويفقده الأمل بوجود مساحةٍ للحياة الحقيقية مرةً أخرى.

سما حسن
سما حسن
كاتبة وصحفية فلسطينية مقيمة في غزة، أصدرت ثلاث مجموعات قصصية، ترجمت قصص لها إلى عدة لغات.