نهايات حرب أوكرانيا تقترب
إلى أي حد يُمكن الحديث، وبثقة، عن احتمال قرب نهاية الحرب الأوكرانية؟... كل الأنباء المتداولة في هذا الصدد، من تصريحات قادة ومسؤولين إلى التقارير الإعلامية، تتحدّث عن نهاية قريبة للغزو الروسي الذي بدأ في 24 فبراير/ شباط 2022. منطقياً، لا شيء يسير لصالح روسيا. لا التقدّم الميداني ولا التفوّق الجوي ولا حماية المنشآت النفطية ولا منع انتقال الحرب إلى المدن الروسية الرئيسية، أقله بالشق الطاقوي والاجتماعي. لم تعد روسيا كما كانت عليه قبل أربع سنوات ونيّف. كل شيء فيها قابل للانهيار في لحظة مستقبلية في غياب أي نموّ جدّي. في المقابل، تحظى أوكرانيا بدعمٍ إضافي من الغرب، أميركي خصوصاً، منها قرب حصولها على ترخيص في إنتاج صواريخ باتريوت لحماية أجوائها. بالمنطق، لم يعد أمام بوتين سوى القبول بتجميد خطوط القتال كما هي جغرافياً، والانتقال إلى المفاوضات مع كييف برعاية أميركية، غير أن المنطق لا يسري على الرئيس الروسي.
لا يُمكن الطلب من شخص مسكون بأيديولوجيا موروثة أن يقبل التصرف ببراغماتية، ما لم تكن تلك البراغماتية لصالحه. بالنسبة إلى بوتين، أي نوع من التفاوض في ظلّ تجميد خطوط القتال يعني أنه خضع لرغبة نظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي. ليس بوتين شخصاً يقدّر أو يؤمن بوجود رؤساء لجمهوريات سوفييتية سابقة، تتصرّف معه من موقع الندّ للندّ. في اعتقاده أن حقاً سوفييتياً وروسياً سليباً تجب إعادته لموسكو. وضمن هذا "الحق"، أصبح معروفاً أن نهايةً ما باتت قريبة. يعود هذا إلى أن التحوّل في الموقف الأميركي بشأن دعم أوكرانيا سيُشكّل محطة مفصلية لمستقبل الحرب الروسية في أوكرانيا. لن يتوقف بوتين هنا، وسيحاول عكس مفاعيل الإفرازات السلبية لحربه، خصوصاً في الداخل الروسي، إذ لم تعد مسألة انقطاع الوقود أو تقنينها، مجرّد مزحة، بل بدايات أزمة ستشتد مع تتالي الأيام، إذ تنتهي خطة "الـ40 يوماً" التي أعلنها زيلينسكي في 25 الشهر الماضي (يونيو/ حزيران) في الرابع من الشهر المقبل (أغسطس/ آب)، ويفترض أن يكون نسقها تصاعدياً في سياقات استهداف المنشآت النفطية الروسية. وهو ما ظهر في الأيام الأخيرة، على وقع عجز الدفاعات الجوية الروسية في التصدّي لكل المسيّرات الأوكرانية.
توحي التطورات الجارية وكأن أوكرانيا تمكنت من تحسين وضعها العسكري، بعد الفترة الكارثية في مطلع العام 2025، حين اشتد الضغط العسكري في دونيتسك وسومي وخاركيف، بموازاة ضغط سياسة مارسه الرئيس الأميركي دونالد ترامب عليها، تحديداً لدفعها إلى التخلي عن أراضيها المحتلة. يبدو هذا كله الآن كأنه من "ماضٍ غابر"، بفعل تسارع التفوق الأوكراني، في الاستهدافات النفطية. ومع أن خريطة السيطرة على الأرض لم تتغيّر فعلياً، إلا بنسبٍ لا تُذكر، غير أن التمهيد الأوكراني لاندفاعة ما، يُمكن رصدها من خلال ضرب البنى التحتية الروسية، الثابتة منها والمتحرّكة، تحديداً في نقطتَين: الأولى، جسر كيرتش، الرابط بين شبه جزيرة القرم الأوكرانية المحتلة من روسيا ومقاطعة كراسنودار الروسية. والثانية، الخط البري الممتد من القرم إلى الداخل الروسي عبر دونيتسك ولوغانسك. يعمل الأوكرانيون بسرعة هناك، وفي حال حققوا نجاحات ملموسة، ستبدأ السيطرة الروسية على أجزاء من خيرسون وزابوريجيا والقرم بالتراخي، وهي المحطة الأخيرة قبل الانسحاب، غير أن نقص الوقود وعدم تأمين بدائل بالسرعة الكافية للمواد المفقودة، لن تسمح للقوات الروسية بالبقاء مطولاً في دونيتسك ولوغانسك. ويزيد الطين بلة أن كييف نفسها تعاني في إقناع مواطنيها في الانخراط في القتال، وآلاف من رجالها فرّوا من البلاد لعدم رغبتهم في الانضمام إلى القتال. أي أنّ الروس بجنودهم الـ700 ألف وفق بوتين، يقاتلون حفنة من الجنود الأوكرانيين.
السؤال الجوهري والجدّي هنا يجب أن يتمحور حول بوتين. هل يقبل الرجل، وقبل أقل من شهر على "احتفائه" بالذكرى الـ18 لانتصاره العسكري على جورجيا في أغسطس/ آب 2008، أن يراقب قوافل جيشه العائدة إلى الداخل الروسي من دون التصرّف؟ ترفض شخصية بوتين الخسارة. في دريسدن الألمانية الشرقية سابقاً، شعر بالمهانة مراقباً تفكك الاتحاد السوفييتي هناك. مشهد كهذا لن يرغب في تكراره. وهو ما يضع العالم على حافة لحظة مفصلية في تاريخ الحرب الروسية على أوكرانيا: إما أن يعمل بوتين على تصعيد بالغ القسوة، بما تيسّر من أدوات عسكرية بين يديه أو أن تلوح تباشير نهاية، لن يضع توقيعه عليها سوى الروس أنفسهم، لا "الغرب الجماعي" ولا "التنّين الصيني".