نميمة عن الشعر والرواية

21 نوفمبر 2025

(إيتيل عدنان)

+ الخط -

تبدو الكتابة الروائية اليوم عملَ من لا عمل له. عشرات ورشات الكتابة السردية يتحوّل نتاجها أعمالاً روائيةً تطبع وتنشر وتشارك في الجوائز الروائية التي يتناسب عددُها طرداً مع عدد الورش الكتابية، كلّما ازداد عدد الجوائز ازداد عدد هذه الورش، والعكس صحيح، فيبدو الأمر كما لو أن هذا العدد من الجوائز يحتاج إلى أسماءٍ جديدةٍ تتكفّل ورَش الكتابة تقديمها. أمّا نحن الشعراء، الذين لم نتجه إلى كتابة الرواية، فلا نعرف إن كان عدم وجود جوائز شعرية هو في صالح الشعر أم لا. مبدئياً قلّ عدد الشعراء في العالم العربي، وهذا جيّد إنْ كانت القلّةُ لمصلحة النوعية. وفي المقابل، يحظى الروائيون بحقوق مادّيةٍ لا يحظى بها أكثر الشعراء أهميةً. يكتفي روائيون عرب بأن يكونوا روائيين، مهنتهم كتابة الرواية، وهذه مسيرة مهنية يحلم بها كلُّ كتّاب الرواية، بينما يحتاج الشاعر، مهما كان عظيماً، إلى عمل ومسيرة مهنية أخرى، بحيث يبقى الشعر في إطار الهواية. الاستثناءات لكبار الشعراء العرب تؤكّد هذه القاعدة.

كتابة الشعر بحث في اللغة أولاً. خطابه (إن وجد) بالغ الكثافة ولا يستطيع تفكيكه إلا أصحاب الذائقة الخاصة والثقافة اللغوية العالية. كتابة الشعر بحثٌ في ارتباك الوجود وأسئلته، غوصٌ في الإيحاء والغموض والانزياحات اللغوية والمخيّلة، خلق علاقات لغوية معقّدةٍ تبدو عصيّةً أحياناً على القارئ العادي أو القارئ الكسول. كما أن كتابة الشعر لا تلبّي رغبة التلصّص لدى القارئ العربي الباحث عن الأسرار الشخصية للكاتب، التي يتوقّع وجودها في الرواية، خصوصاً إن كان الراوي من شخوص العمل. هذا مستوى قرائي منتشر في عالمنا العربي، ولا سيّما أن ورشات السرد تنتج أعمالاً سرديةً في معظمها هي سير شخصية لكتّابها. في الشعر يندر هذا. حتى لو خطّ الشاعر سيرته الذاتية بأكملها في عمل شعري، فهو يحتاج إلى قارئ متمرّس ليفكّك رموز هذه السيرة.

يُقدِّم السرد (رواية وقصة قصيرة) حكايةً ما، حكاية واضحة المعالم، عن الحياة أو الحرب أو الحبّ أو النضال... إلخ، حكاية ترتبط بقضايا بعينها مألوفةٍ لدى القارئ؛ تعطي له الحكاية صورة ما عن زمن ما، قد يكون حاضره الذي لا يملك إجابات عنه، قد يبحث في العمل السردي عن هذه الإجابات، وقد يبحث عن مجرّد متعة سلسة وسهلة، وأسلوب رشيق وأحداث مشوّقة تُقدَّم له بلغة بسيطة ومعتادة ولا تحتاج إلى ثقافة عميقة. وقد يبحث عن نميمة ما يجدها في حكاية ما كتبها أحد ما. تشبه الرواية مسلسلاً أو فيلماً: شخوص وأحداث وحبكة ونهاية يشعر معها كما لو أنه جزء من هذه الأحداث أو شخصية من شخوصها. تحظى الرواية بشعبية أكثر من الشعر بكثير، لأن القارئ يتحوّل في أثناء عملية القراءة واحداً من شخوص الرواية. وقد يتقمّص شخصيةً ما تترك أثرها في سلوكه ومسيرة حياته. في الشعر لا يحدث هذا، هناك من يتقمّص شخصية الشاعر في سلوكه اليومي بحسب النمطية التي يُقدَّم بها الشعراء. الروائي في النمط المجتمعي العربي هو شخص أنيق بشعر مرتّب، بينما الشاعر بملابس وشعر فوضوي ولحية شعثاء (الشعراء ليسوا هكذا في الحقيقة). لا يستطيع قارئ الشعر أن يضع يده على شخصية مُحدَّدة في النصّ الشعري، هو يغوص في الرموز والخيال، هل يتقمّص رمزاً مثلاً؟

تسهل ترجمة الرواية إلى لغات أخرى، يسهل نقلها بأمانة لغوية بالغة، بات هذا أسهل اليوم مع منصّات الذكاء الاصطناعي، بينما مترجم الشعر كاتب آخر للنصّ، وفيه شيء من روحه. هذا ليس تكثيفاً للأسلوب فقط، هذه روح المترجم تتماهى مع روح الكاتب، لا يمكن للذكاء الاصطناعي أن يظهر هذا، ترجمة الشعر يلزمها مشاعر عالية وروح حرّة لا تحتاج إليها ترجمة السرد التي يكفيها معرفة وثيقة باللغتَيْن. تكثر جوائز الرواية وتندر جوائز الشعر لهذه الأسباب تحديداً. الانتشار والحكاية، وسهولة الترجمة، وسهولة تحويل النصّ السردي عملاً درامياً، بينما يكتفي الشعر بقارئه ومترجمه، أو بعبقريٍّ ما يمكنه أن يحوّل نصّاً شعرياً إلى عمل سينمائيّ.

دلالات
BF005AFF-4225-4575-9176-194535668DAC
رشا عمران

شاعرة وكاتبة سورية، أصدرت 5 مجموعات شعرية ومجموعة مترجمة إلى اللغة السويدية، وأصدرت أنطولوجيا الشعر السوري من 1980 إلى عام 2008. تكتب مقالات رأي في الصحافة العربية.